17/01/2010م - 2:19 م | عدد القراء: 2858


حسن عبد راضي

 

من يتتبع تاريخ إنشاء سد الموصل ستدهشه تفاصيل لا يمكن أن تكون اعتيادية ومألوفة في عمليات إنشاء السدود، كما ستدهشه أكثر المدة التي استغرقتها عمليات دراسة الموقع والتغييرات التي حدثت للموقع المقترح من قبل الشركات الاستشارية العالمية التي زاد عددها على ست عشرة شركة ، فضلاً عن مجلس استشاري أمريكي فرنسي سويدي.

القصة بدأت في عام 1950 ، وهي السنة التي أسست الحكومة العراقية فيها مجلس الإعمار، الذي تبنى في باكورة أعماله فكرة إنشاء خزان (أسكي موصل) على نهر دجلة في موقع على بعد 40 كيلومتراً شمال مدينة الموصل، وعهد إلى شركتين بريطانيتين هما (الكسندر كب وشركاه) و (مونسل باسفورد وبفري) لإجراء التحريات اللازمة واختيار موقع ملائم للسد، وقد وقع اختيار الشركتين بعد دراسات وتحريات على موقعين أحدهما يقع قرب قرية (ضوء القمر) على بعد 12 كيلومتراً شمال شرق أسكي موصل، وقدمت الشركتان تقريرهما عام 1953 مع المرتسمات والخرائط، وتضمن التقرير مقترحاً بإنشاء سد ركامي إملائي.

ثم توالت التواريخ والشركات، ففي عام 1956 عهد بأعمال تحريات مرة أخرى إلى شركة (كولجيان) الأمريكية، ثم في العام نفسه عهد إلى شركة (هازار الأمريكية أيضاً بالقيام بالتحري من جديد، وبينما قدمت (كولجيان) تقريرها عام 1957، تأخر تقديم تقرير (هازار) حتى آب من عام 1960 وفيه، فضلاً عن التصاميم الأولية للمشروع، توصيات مفادها أن الموقعين اللذين اختارتهما الشركتان البريطانيتان لا يصلحان لإنشاء السد لوجود طبقات من الجبس قابلة للذوبان وطبقات من الطين الخفيف، لكن الشركتين الأمريكيتين أوصتا بإقامة سد ركامي إملائي أيضاً.

واستمر وصول شركات أخرى في سنوات لاحقة، وكلها كانت تجري تحرياتها وتقدم تصاميمها ثم تأتي شركات أخرى ( يمكن متابعة تاريخ إنشاء السد بتفصيلاته الفنية في "موسوعة دوائر الري في العراق" التي أصدرتها وزارة الموارد المائية بطبعة أنيقة في بغداد آذار 2005) ، وأغرب ما في الأمر أن المدة منذ أول إحالة لشركة أجنبية حتى تاريخ البدء بالمشروع في25/1/1981 كانت إحدى وثلاثين سنة، وهي مدة كافية لإنشاء عدد من أكبر السدود في العالم، ويثير التساؤل أيضاً أن الشركات لم تكن على ثقة من إمكانية إقامة السد في المنطقة المحددة بسبب طبيعة تكوينها الجيولوجي، حتى أن شركة تكنوبروم السوفيتية قالت في تقريرها إن موقع الأسس معقد لوجود صخور قابلة للذوبان، ويتطلب الأمر إجراء تحريات واسعة قبل إنشاء السد، كما تطلب الأمر اتخاذ إجراءات كثيرة لتحشية موقع الأسس.

 أين يكمن الخطأ ؟

لعل الخطأ يكمن بداية في موقع البناء، وفي قرار إقامة السد في ذلك الموقع، إذ يبدو أن المنطقة كانت تشتمل على حوض مناسب لخزن المياه، لكن المشكلة كانت في الموقع الذي ينبغي إقامة أسس السد وجسمه عليه، ويبدو أيضاً أن السنوات الإحدى والثلاثين، والشركات التي قارب عددها العشرين لم تفلح أخيراً في اختيار موقع آخر جيد لخلو المنطقة من مثل ذلك الموقع، ولأن قرار إنشاء السد في تلك المنطقة بالتحديد كان محسوماً، ولذلك عمدت الشركات الأجنبية والسلطات العراقية إلى أفضل خيار من بين خيارات كلها غير مقطوع بصلاحيتها التامة، وإلا فكيف يمكن تفسير الإصرار على إنشائه بعد كل تلك الدراسات والتحريات التي بينت الخلل الجيولوجي في موقع الإنشاء وحذرت منه؟.

 الجدل السياسي

من هذا الاستعراض السريع والموجز لتاريخ إنشاء سد الموصل يظهر لنا أن المشكلة ليست وليدة اليوم، ولا هي من مشاكل الإهمال أو التقصير أو الفساد، وإن الخوض فيها بوصفها تقصيراً من الحكومة الحالية ما هو إلا من باب تصيد المتصيدين، إذ بات من الواضح أن مشكلة هذا السد قديمة، بل ان هذا السد هو مشكلة بحد ذاته، وإلا لما طالت مدة الدراسات والتحريات كل هذا الوقت، وربما لو حدث استقدام مثل هذا العدد من الشركات للأغراض الاستشارية من قبل الحكومة العراقية الحالية، لشككنا أو لقطعنا باليقين أن هذا من باب الفساد، ولقلنا إنهم يأتون بالشركات ولا تعطيهم العمولات المناسبة، ولاحتججنا على طول المدة وغير ذلك مما يدخل في باب الرجم بالغيب.

إن ما تقوم به وزارة الموارد المائية اليوم هو الإجراء الصحيح، فلا يمكن حل المشكلة إلا بالاستمرار بالمعالجة والتحشية المستمرة.

في لقاء لي مع وزير الموارد المائية جمال عبد اللطيف رشيد في وقت سابق قال ما نصه: (لدينا مشكلة أزلية في سد الموصل الذي يعاني جسمه من تآكل، ونحن نقوم بصيانة السد بشكل متواصل على مدار اليوم، لدينا أجهزة الحشو التي تساعدنا في حشو المناطق المتآكلة من السد، ونقوم بذلك بخبرات عراقية خالصة، ونستعين أحياناً بمؤسسات خارجية في مجال الاستشارات الهندسية والفنية.. وطبعاً لا يمكن القيام بمعالجات جوهرية لأن تكاليفها باهظة تضاهي تكاليف إنشاء السد نفسه، وحتى التكنولوجيا العالمية لم تصل إلى حلول لمشاكل من هذا النوع).

إن من حق من يتوقعون تضرر حياتهم أو مصالحهم الاقتصادية بانهيار السد (لا سمح الله) أن يقلقوا، وأن يطالبوا بإجراءات لحمايتهم وحماية حياتهم في جوانبها المختلفة، لكن لا ينبغي أيضاً أن يكون ذلك على حساب الحقيقة الموضوعية التي تقول إن السد ليس عرضة للانهيار بحسب التقييمات التي قامت بها وزارة الموارد المائية، وإنه بحاجة لصيانة مستمرة، وهذا ما تقوم به الوزارة على نحو متواصل، ولن تستطيع أية دولة أخرى مهما كانت مواردها الاقتصادية والتكنولوجية أن تفعل غير ما تفعله الحكومة العراقية بإزاء مشكلة سد الموصل.

 ماذا على المدى البعيد؟

طبعاً لا يمكن لهذا السد بكل ما يعانيه من تآكل، ومن مشاكل في الصخور في قاعدة الأساسات أن يستمر في الصمود إلى الأبد، كما لا يمكن لأعمال التحشية أن تظل فعالة إلى الأبد، ولذلك فعلى وزارة الموارد المائية أن تجري دراساتها بخصوص تحديد الزمن الآمن بالنسبة للسد، مما يعني أيضاً تحديد الزمن الذي سيصبح فيه السد مشكلة وشيكة الحدوث في أية لحظة وتستدعي إجراءات طوارئ، كإجلاء القرى القريبة أو الواقعة ضمن مجرى الفيضان، وإعداد مجموعة من التوصيات لسكان تلك المناطق تتعلق بكيفية التعامل مع الأحداث الطارئة ، كانهيار جزئي أو شيء من هذا القبيل، لكي لا تظل الأمور كلها رهناً بالمصادفة.

هذا الإجراء لا بد منه في كل الأحوال، لكن الإجراء الذي لابد من القيام به اليوم قبل الغد هو التفكير في إقامة سد بديل، وإن كلف ما كلف، إذ بحسابات بسيطة يمكن تقدير الخسائر التي قد يسببها انهيار السد على الأرواح أولاً، وعلى الأراضي الزراعية والمواشي والمزروعات، وآثار ذلك الأمر التي قد تمتد لسنوات طويلة، مقارنة بتكاليف بناء سد جديد، وسنجد أننا بالخيار الثاني رابحون لا محالة.

إن الإجراءات التي اتخذتها الدول الساحلية في جنوب شرق آسيا لعدم تكرار حادثة تسونامي أو للتقليل من مخاطرها أو تجنبها كلياً، والتكاليف الباهظة التي دفعتها تلك الدول من أجل ذلك تعطينا مثالاً حياً على العمل الاستباقي حتى في مواجهة ظاهرة طبيعية مثل تسونامي، فما بالك لو كان الأمر متعلقاً بحادث نتوقع حدوثه بين لحظة وأخرى، مثلما يمكن أن نتوقع مدى الخسائر البشرية والمادية التي قد يسببها حدوثه .



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «3»

الأحد 17 يناير 2010 - 11:04 صمناف - كندا
نحتاج الى حكومه قويه بعيده عن المحاصصه وخاليه من البعثيين والا لاينفع الندم بعد الحادث
الأحد 17 يناير 2010 - 9:45 صkkk - hh
jjk
الأحد 17 يناير 2010 - 9:09 صمحمد محسن العاني - العراق -انبار
السلام عليكم وبعد
لا شك ان الاصرار على انشاء السد في هذا المكان هو الخطاْ الذي وقع انذاك كون طبقات الفارس الاسفل تتكون من تعاقب سحنات صغيرة ومتعددة من الصخور الطينية تتبعها صخور كلسية ثم صخور من الجبسويعود هذا التعاقب لعدة مرات حيث لا يتعدى سمك السحنة الواحدة 10 امتار اي ان الجبس الذي يذوب بالناء يتكرر عدة مرات كلما ذهبنا نحو العمق وهنا الكارثة التي جعلت بعض الشركات تحذر من بناء السد هناك ولكن المهم الان هو الحل وهناك طريقتين ابسطهما السير مع مجرى النهر لعدة كيلومترات واختيار موقع جديد وبناء سد في سافلة الاول والحل القيصري الثاني هو فتح بوابات السد تدريجيا للتخلص من المياه المخزونة في فصل الصيف وبناء جدار كونكريتي امام السد ببعض الامتار داخل الارض وبعمق يتعدى 30 متر ويعمل ضخ للاسمنت بين هذا الجدار والسد تحت فاع السد وبكميات كافية لغرض حجب تيارات المياه الجوفية تحت السد من اذابة الجبس وتهرىء بنية السد وفي الحسابات لهذين الحلين نجد انه لا فرق كبير بين الكلفتين والسلام عليكم



اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:
عدد الأحرف المتبقية: