فيصل الناصر
على مر العصور المتعاقبة والدهور المتتالية والأزمنه الغابرة لم يحفل التاريخ العربي بأرض شهدت نكث للعهود والوعود وسفكت فيها الدماء زوراً وبهتاناً وتحت عناوين براقة وحجج واهية كما شهدته ارض العراق!
تلك الأرض التي أريقت عليها انهار من الدماء عبر التاريخ الاسلامي المرصع بحوادث ومآسي تقشعر منها الأبدان.. وكأن هذه الارض وسكانها عبر الازمان جبلوا على الخيانه ورضعوا الغدر منذ صغرهم .
ولعل الخيانه سرت في دم الاغلبيه من سكان هذه الارض وتوارثتها الاجيال عبر الجينات الوراثيه الملعونه . ولنترك التاريخ الاسلامي بعناوينه المأساويه المفصله ولكن نستذكر شهادة إمام المتقين علي بن ابي طالب وولده ريحانة المصطفى الامام الحسين عليهم افضل الصلاة والسلام على ارض العراق وكيف نكث شعب العراق وعودهم مع امام المتقين وسيد الشهداء.
ولنستذكر التاريخ الحديث وكيف بايع شعب العراق العائله الهاشميه ودعوهم من ارض الجزيره العربيه لينصبوهم ملوكاً على العراق ومن ثم ذبحوههم شر ذبحه!. وسحلت وصلبت جثثهم وعلقوا حفاة عراة على اعمدة الشوارع كشاهد على الخيانة المتأصلة في هذا الشعب الوفي لهذه الصفة !.
وبعدها بدأت مرحلة الجمهوريه التي كانت مأساويه بصورتها ودمويه بمضمونها حرقت الاخضر واليابس الى ان وصل الحكم الى جلاوزة البعث وصدامهم المقبور الذي أصبح يسقي ابناء العراق من ذات الكأس .
وكم من ابناء العراق صفقوا ورقصوا لصدام من بعثيين وغيرهم وكانت القبل تنهال عليه من اخمص قدميه حتى اخر شعره في راسه العفن!
وفي هذا السياق ساقتني الظروف متهماً بلا جريمة أمام المقبور عواد البندر وساعدتني هذه الرحلة الاستكشافية في الأقبية السرية إلى التعرف على جوانب مهمه من الخيانه الفطريه للكثير من ابناء هذا الوطن الممزوج دمه بحب الخيانه والنكث بالوعود والتأمر في الظلام!...
ولا أنسى ذلك الشاب الذي حكم بالاعدام بعد ان سجلت له شقيقته كاسيت يتهجم به على راس النظام المقبور.. ولا ذلك الضابط الكبير الذي سجلت له زوجته كاسيت يتهجم بااقسى العبارات على الطاغيه المقبور وكان نصيبه الاعدام شنقاً. ولا ذلك الاخ الذي اوشى بااخيه بتهمه باطله لكي ياكل حقه في الميراث وكان نصيب الاخ الاعدام!!
ومئات القصص المحزنه والمخجله والتي تدلل على الانحطاط الاخلاقي الذي اصاب المجتمع العراقي بمقتل! ولعل الاكثريه تتذكر ذلك الرجل المسن من اهالي الصويره الذي عرضته شاشة التلفاز في حينها وهو يكرمه الطاغيه المقبور لكونه قتل فلذة كبده لانه هرب من طاحونة الموت في الحرب العبثية!.
ولعل مراجعه سريعة لذكريات القارئ الفطن ليتذكر كم من الاخوه والاخوات والاقارب وصولآ الى الحلقه الكبيره من المجتمع العراقي شهد حالات هضم للحقوق ونكث بالوعود والصاق التهم جزافاً والتي قادت الكثير من الابرياء الى السجون ومقصلة الموت!.
وهذا ما يجعلنا نستنتج ان النظام البعثي الدموي ساهم بتخريب بقايا القيم الاخلاقيه للمجتمع من خلال التشجيع على كتابة التقارير المهلكه والوشايه بالناس !.
واليوم لابد من الاشاره الى ان القيم الاخلاقيه تلاشت تقريباً في عراق اليوم وحتى بين تجمعات الجاليه العراقيه في الغربه ابتداءآ من دمشق حتى اصقاع الارض! واصبحت العلاقات بين الاكثريه تبنى وفق اعتبارات المصالح الماديه اولآ ومن ثم المصالح الذاتيه! وسيطرت على ذهنية الكثيرين منهم نظرية المؤامره والاستحواذ والاستغلال! وكأن لسان حالهم يقول للعالم ( من شب على شئ شاب عليه )؟!
ولقد ساهمت الظروف المأساويه التي شهدها العراق بعد 2003 الى ظهور المصطلحات (العلاس والخماط والسياف وغيرها من المصطلحات المتدنيه بمعانيها الدموية وبمحتواها الإجرامي ) التي تدلل على انحطاط اخلاقي واسع الانتشار ونزعة دموية متفشية وسفك لحرمة الدماء بدون ادنى وازع انساني! وهذا ماساهم بتردي قيم الشرف لدى البعض والاستهانه بهذه القيم والمبادئ التي أصبحت من زمن كان ومضى وانتهى.!
وقد استبدل البعض من أبناء العراق تلك القيم والمبادئ بما يتماشى مع أخلاق العصر الحديث من انحرافات أخلاقيه كثيرة ولنا فيما يجري في دول الجوار العراقي وتحديداً في سوريه خير دليل .
وهذا ما أثار زوبعة من التساؤلات حول أسباب ذلك وكيفية المعالجة؟ويبقى هذا التساؤل معلقاً ولا جواب له إلا حين نرجع للتاريخ ونبحث فيه عن أسباب الانحراف الأول والخيانة الأولى والدم المراق الأول على هذه الأرض لعلنا نجد السبب والحل. أو ندرس الجينات والمورثات للشعب العراقي بحثاً عن تلك التي تحمل بذرة الخيانة وتدسها في كل مولود عراقي جديد ومن ثم اقتلاعها من جذورها .
وإلا ستبقى الخيانة هي القدح المعلى والغدر هو الموروث الشعبي الذي لا اندثار له إلى قيام الساعة . .!
فيصل الناصر
أكاديمي وكاتب سياسي