بعد أن أباد الديكتاتور صدام حسين مدينة حلبجة (260 كيلومتر شمال شرقي بغداد) و قلب عاليها واطيها، و دمر قراها و قتل خمسة آلاف أنسان بريء من نساء و أطفال و شيوخ لا ذنب لهم و لادخل في أي نشاط سياسي و عسكري في ثمانينيات القرن المنصرم، نرى اليوم نفس السيناريو يتكرر لكن بصور أخرى و على أيدي مجرمين و مرتزقة أكراد.
فأهالي حلبجة يقتلون و يموتون يوميا عندما يجدون ملايين الدولارات التي تأتيهم من التبرعات و الهبات الخارجية و الداخلية تذهب سودا و لا تصرف في الإعمار و المشاريع المفيدة لهم، و المدينة على حالها منذ أن قصفها صدام، و لم يصلها إلا النزر اليسير من الخدمات و كانت من نصيب المسؤولين و الأشخاص الحزبيين و هم قلة.
زيارة واحدة لحلبجة كافية كي يصاب المرء بداء (الربو) و الإختناق من جراء استنشاقه الهواء الملوث بغبار الشوارع و الطرق الترابية صيفا، و غرقه في الاوحال و بركات المياه شتاءً، فضلا عن جبال القمامة المتوزعة في الحواري و الازقة متسببة بإنتشار أمراض و أوبئة تفتك يوميا بإرواح و أجساد السكان، و الحمد لله لايوجد سوى مركز صحي واحد لا يفي بالغرض و ليس بمقدوره أستيعاب الآلاف من هؤلاء و من اللذين لاتزال أثار الكيمياوي و الغازات السامة بائنة عليهم جسديا و نفسيا.
مدينة حلبجة أستطاعت عن طريق مظلومية سكانها أن تعرف القضية الكردية بالعالم و تساعد إلى حد كبير في أن يصل جلال الطالباني إلى ما وصل إليه، لكن مع الأسف الشديد مواطنوها لايزالون يُضطهدون و يُظلمون و هم يفتقرون إلى أبسط حقوقهم المدنية، فلا تزال شوراع المدينة غير مبلطة و الكهرباء أصبحت مثل الذهب لا يستطيع أحد الحصول عليها إلا إذا كان غنيا أو مقربا من الاتحاد الوطني الكردستاني، ( تأمل في 2009 و في ظل الديمقراطية التي يدعي جلال الطالباني إنها موجودة في كردستان، يجب أن تتوسط كي تحصل على أبسط حقوقك التي تشعرك بأداميتك).
و بالرغم من مرور زهاء عشرين سنة على انتهاء الحرب العراقية الأيرانية، لاتزال أثارها باقية على مدينة حلبجة و سكانها، حيث إن معظم أراضيها باتت غير صالحة للزراعة بسبب تواجد كميات كبيرة من الالغام و العبوات المتفجرة، و تلوثها بالمواد االكيمياوية السامة التي تمنع أخضرار أي زرع و نبات.
و سكانها اللذين نجوا من ضربات القنابل الكيمياوية، فلحوا بالحياة لكن بعاهات مستديمة لا زلت بهم لحد وقتنا هذا، فمنهم اللذي فقد بصره أو ساقه أو يده... ناهيك عن إصابة البعض الآخر بأمراض جلدية مستعصية و أورام سرطانية خبيثة و خلل في وظائف الجهازين الهضمي و التنفسي.
جدير بالذكر ان عشرات المنظمات الإنسانية الاقليمية، و ذوي الخير و الأحسان من رجال الاعمال و التجارة، وهبوا المدينة من الاموال ما يكفي اعمارها و علاج امراض سكانها و يزيد، لكن لا أحد يعلم أين ذهبت و فيما صرفت كما ذكرنا، و المرضى يلتون من الالم و المدينة تشكو من أنعدام الخدمات، و سيظل الحال كذلك ما دام المفسدون يحكمون صائلين جائلين حسب مزاجهم الفردي الذاتي.
و المصيبة أن الاتحاد الوطني الكردستاني الذي يفرض سيطرة حكمه على المدينة، يتشدق في كل حين بإن حلبجة مدينة مزدهرة و لا ينقصها أي شيء و سكانها في بحبوحة من العيش، بدوري أتسأل أي عيش رغيد مع وجود أكثر من أربعة آلاف عائلة لا مأوى لها و لا سكن؟ و هي في تسكع مستمر بصورة ذليلة لاتليق بالبشر بين بيوت الايجار الطينية.
و جيل المستقبل من التلاميذ و الطلاب يتلقون تعليمهم في مدارس لا تصلح حتى لتربية الحيوانات حيث ان سقوفها من طين وأرضياتها من الحصى، في الصيف تصبح تنورا لشدة الحرارة و في الشتاء ثلاجة من شدة البرد، علاوة على هذا فإن كل ستين طالب يدرسون في غرفة لا تسع سوى عشرين طالب، مما يدفعهم أن يتناوبوا الجلوس و الوقوف فيما بينهم، أما مسؤولي المدينة فإنهم يرسلون أبنائهم و بناتهم إلى السليمانية و أربيل و دهوك كي يتلقوا التعليم على أعلى مستوى و في أنسب الاجواء و أحسن المدارس.
و المصدر الوحيد الذي يمد سكان حلبجة بالمياه القليلة جدا هي الآبار و الينابيع الطبيعية و شلال يقع في إحدى القرى الجبلية المجاورة للمدينة، و هذه المياه متلوثة بقاذورات الصرف الصحي و روث البهائم و الحيوانات و الابقار، و قد أدى هذا الى إصابة عدد كبير من الأطفال و النساء بالفشل الكلوي و مشاكل صحية أخرى في الامعاء و الإفراز.
و قد تلقى سكان حلبجة آلاف الوعود من جلال الطالباني بتطوير المدينة و إعمارها و كانت جميعها فقاعات مائية، فضلا عن تقديمهم مئات الطلبات للسلطات المحلية بدون أن يتلقوا جوابا عليها مما أفقدهم الثقة بحكم و سلطة الحزبين الكرديين خصوصا الاتحاد الوطني الكردستاني، و أرجو من منظمات حقوق الإنسان و المؤسسات المدنية الدولية، أن تزور هذه المدينة المقموعة المنكوبة كي ترى و تتفقد جزءا من المآسي و المتاعب الحياتية المذكورة في هذه السطور، و يستمعوا إلى آهات الفقراء و المساكين اللذين يناشدون طغاة و مستبدي كوردستان، أن يتقوا الله فيهم و يرفقوا بهم و يوفروا لهم أبسط حاجاتهم و حقوقهم في العيش الكريم، و للعلم كاتب هذه السطور من أبناء حلبجة و أحد ساكنيها حاليا، و ما ذكرناه قطرة من بحار معاناة لا حدود لها.
إقليم كوردستان العراق \ حلبجة
mahdi.m.abdulla@gmail.com