إن الحداثة التي يتعامل مع المسلم هي تلك الحداثة الأخلاقية التــــــي تنحاز للجانب ألقيمي على الجانب المادي،وللغيبي المرتبط بالشهود على الرقمي.فلقد فشلت مراكز الدراسات الغربية تماما في التعامل مع التنظير المضاد للاغتراب الذي ظهر حديثا وهو يستعيد توجهات الغزالي في نقد الفلسفة ويتهمها بالتهافت،ويسمى التنظير الجديد أتباع الفكر الغربي القدماء ((المقلدة المتقدمون)) ويعني بهم الفلاسفة و يسمي المعاصرين ب ((المقلدة المتأخرون)) و يعتقد أنهما معا قد أسهما في الاستتباع الحضاري
يقول طه عبد الرحمن ((إن طرق البيان لدى متفلسفتنا في القديم جاءت مخالفة للمقتضيات التداولية للبيان العربي فاستغلقت كتاباتهم بركاكتها على الإفهام))(1)لأنهم استلذوا التفلسف على طريقة غيرهم،بدل أن يذهبوا إلى مساءلة ذلك التفلسف عند أهل الغرب ونقده على مقتضى ثقافتهم ولم يراجعوا تصورات الغرب،ولم يأتوا بما يضاهيه من خلال واقعهم ويعتقد أصحاب هذا الاتجاه أن المعضل الذي خلقه ((المقلدة المتأخرون)) أي المعاصرون المنتمون إلى المنظومة الفكرية الغربية إنهم ربطوا كل تقدم بانتهاج العقلانية الغربية رغم جهلهم بمنهاج من يقلدون.
والخلاصة أنهم ((قدماء ومعاصرين)) تركوا حقهم في الإبداع الفلسفي واوجدوا نمطا معرفيا سموه حدا ثويا وهو غير مناسب لتراثهم وحضارتهم ولذلك فشلت كل تجارب التنمية في العالم الإسلامي على مدى قرن وهذه الحداثة لم تكن في صالح بناء معرفة إسلامية حقيقية،فصار التحديث وهميا
مقابل هذا:لم يستطع الغرب إن يفكك في رسالته الموجهة للعالم الإسلامي بين رغبته في إدماج العالم الإسلامي بحركة التقدم الكونية ((العولمية)) وبين إخضاع هذا العالم للهيمنة وممارسة نهب موارده وإفقاره وإذلاله باستخدام القوة.
إن دراسات الغرب للإسلام المعاصر بكل أشكاله وتجلياته على كثرتها وتتابعها ارتبطت بنزعة برجما تية تتركز في مدى استفادة مراكز صنع القرار السياسي من هذه الدراسات
لقد توجهت هذه الدراسات لتحليل بنية العقل الشيعي،والتراث القومي الإيراني في الأعوام ((1978-1988)) أبان الحرب الطاحنة بين العراق وإيران وكان هدفها آنذاك ((هدف جيوسياسي )) بسبب أجواء الصراع الأمريكي الإيراني ولم يكن هدفها التبادل المعرفي بين الآفاق الحضارية في العالم.
إن تلك الدراسات كانت تركز على كيفية التعامل مع الأثر الديني على السلوك السياسي للمسلمين ((سوسيولوجيا المجتمع الإسلامي))،وكيف تتخذ النخب السياسية قرارها،وبالتحديد ماله صلة بالمصالح الإستراتيجية الأمريكية أو المصالح الغربية،لذلك لم تكن فوائد الدراسات للقرار السياسي محصل عرضي إنما كان هدفا رئيسيا ولعل خلاصة الدراسات للمجتمع الأفغاني – وتأثير الأصولية الوهابية عليه هو الذي دعاهم إلى دعم هذه الأصولية دعما كبيرا ((فكريا،استراتيجيا،ماليا وإعلاميا)) لكي تتكون ((قاعدة قتال وهابية في أفغانستان)) ضد الاتحاد السوفيتي السابق، إن الأصولية الجهادية كانت بدرجة كبيرة ناتج دعم استراتيجي من صنع المخابرات الأمريكية في خضم صراعها مع الجهد ألاستخباري السوفيتي ولا يزال التعامل السري الأمريكي مع هذه القوى بموجب بعض الدراسات ((غير المعلنة)) مستمرا أقول هكذا يربط المسلمون المتابعون لمسارات تلك البحوث والدراسات الأمريكية والغربية للإسلام المعاصر بالخطط والأهداف التي ترمي إلى السيطرة على العالم الإسلامي،لذلك لا يتعامل العقل الإسلامي مع نتائج تلك الدراسات على إنها وسيلة للكشف عن نقاط الالتقاء والافتراق بين ثقافتين أو بين الأنساق الحضارية في العالم المعاصر،بل يسود اعتقاد إن الأهداف الجيوسياسية هي التي تصوغ فرضيات تلك الدراسات وتوجهها نحو الأهداف التي تلبي الحاجات الإستراتيجية.
2- قضية أخرى تثيرها دراسة معهد أمريكا انتربرايز هي قضية الالتباس ألمفهومي لمعنى الاعتدال التي تبحث عنه الدراسة،كمقدمة لقبول الحداثة الغربية في العالم الإسلامي،وكأن الاعتدال شرط لقبول الحداثة فالاعتدال الإسلامي في المفهوم البراجماتي الأمريكي هو ((إسقاط موانع قبول الحداثة الغربية في العقل الإسلامي)) وواضح إن هذا المفهوم مفهوم إجرائي من جهة وعدمي و اختزالي من جهة أخرى بينما الاعتدال في الفهم الإسلامي هو ناتج منهج علمي يمزج بين الشمولية والتوازن في التعامل مع الوقائع والأصول،وهو طريقة علمية في فهم النصوص التأصيلية وجدلية الشمولية والتوازن تقضي أن لا يقرأ جانب من الإسلام من حيثية واحدة مجتزأة من سياقه العام،فالتركيز على الجانب الدعوي ألتبليغي المرتبط بالجهاد والقتال من دون النظر إلى ضرورة فهم الواقع والتعرف بأساليب الحكمة والموعظة الحسنة يجعل الإسلام مشروعاً للتوتر الدولي وثقافة للنزعات الإقليمية والدولية. والتركيز على جانب العبادات دون النظم المجتمعية يحول الإسلام إلى نظام طقوسي فرداني، ويؤسس لثقافة الانكفاء على التراث والعزلة المجتمعية.
إن القراءة الشمولية تعني((أفقية معرفية تلاحظ العلاقة المرتبطة بالجوانب الأخرى للمنظومة العقائدية والفكرية والحقوقية والقيمية)) وتقيم توازنات في الأثر الذي تكسبه معرفة هذه العلاقات فيما بينهما.
1. وبذلك:لايصح محصل الدراسة ومفاهيم التداول كنقطة تحليل للإشكالية الحقيقية الواقعية القائمة على الأرض في العالم الإسلامي .
2. هناك مهيمن السياسي على مسار الدراسات الغربية وهو السبب في فقدان جدواها ألتقاربي مثال ذلك النظرة إلى الاعتدال الإسلامي من خلال قبول الحداثة بالمفهوم الغربي من دون مراعاة للتغيرات والتغاير في المنطلقات والتصورات والمفاهيم. فحينما يكون المقياس هو ذات قيم الحداثة الغربية فان مقاصد هذا الجواب لن يسهم في إصلاح الواقع العالمي،بل يسهم في صنع كونية مفروضة من امة قاهرة)).(1)
3- نلاحظ أن الدراسة توصف الاعتدال بأنه ((سمة قائمة على رؤية موضوعية تنأى بنفسها عن التطرف)). دون أن يحدد أي من التصرفات يسمى (تطرف؟)
وتفسر الدراسة التطرف بالاعتقاد ((بان الإسلام يتناقض مع حضارة الغرب )).فالإشكالية في العقل الغربي تكمن في طريقة الغرب في فهم
الإسلام وفي آليات قراءة النص الإسلامي، وفي تفهم الاجتهاد الإسلامي.
إن من أجلى الأمثلة على الالتباس ألمفهومي في التداولية إن الدراسة تقرن بين الولاء للعقيدة الإسلامية وبين عدم قبول الحداثة وترى إن مقتضى هذا الولاء ينتج عنه ضرورة الكراهية الشديدة للغرب فلابد من تقليل المزج بين الولاء للعقيدة عند المسلمين وبين قبول الحداثة كطريق لتخفيف ظاهرة الكراهية للغرب وواضح ما في ذلك من الالتباس فالولاء للإسلام ليس من ملازماته كراهية الآخر أيا كان لان الولاء معطى ايجابي وليس معطى سلبي،ولخطأ الأساس النظري فأن مهمة تعديل الولاء للإسلام حتى تقلل الكراهية للغرب من جرائه ربما يجر إلى إجراءات خاطئة بالنسبة للسياسات الموجهة للعالم الإسلامي واني على يقين إن المحاولات السابقة في تخفيف الولاء للعقيدة قد فشلت فشلا ذريعا وتتفق الدراسات الغربية بعامة إن الفقر والحماس والجهل والإمراض والهيمنة الحضارية من أهم أسباب التصلب العقائدي وان الصهيونية المدعومة من أمريكا والغرب وسياسة الحصارات التجويعية والحرمان من امتلاك التكنولوجيا وفقدان نظرية عمل منصفة لتحقيق الشراكة العالمية في بناء عالم يتفاهم سلميا ويصنع حاضره بالتعاون البناء- جعل العالم الإسلامي عبارة عن مجموعة من البراكين النائمة التي لانعلم متى تنفجر وأين؟
ونتيجة للتعامل الغربي- عامة والأمريكي خاصة مع تطلعات وقيم وأهداف المسلمين في العالم فقد خسر العقلانيون والتنويريون من المسلمين جولات من الحوار لصنع موقف معتدل من الحضارات الإنسانية،بل لقد انتصرت إرادات التطرف في أكثر من موقع إسلامي رغم محدودية براهينها.
لذلك لجأت الكثير من الدراسات إلى محاولة إقناع المسلمين بقبول مبدأ التعددية الفكرية والعقائدية لمنح التنويريين الفرصة حسب رأي الدراسة فقبول التعددية في العالم الإسلامي يعد واحدة من سمات الاعتدال وطريقا نحو الحداثة وشرطا من شروط إتاحة الفرصة للمراجعة الفكرية أما عدم قبول التعددية فهو مصداق للدوغماتيك والتطرف والعنف .
4- إن الدراسة تصنف المعتدلين في العالم الإسلامي على مجموعات :
الأولى:- مجموعة الإسلام الفقهي الكلاسيكي العرفي :- وهي شريحة اجتماعية تمارس الطقوس الدينية فقط وليس لهم اهتمام مركزي بالسياسة . ولا تشارك هذه الشريحة في إعمال العنف ولا تدعم تلك الأعمال وليس لها تطلعات مجتمعية وتعتقد دراسة المعهد إن هذه الشريحة من صنف المعتدلين .
الثانية:- مجموعة الأنظمة التي تحكم بعض بلدان العالم الإسلامي- التي تصفها الدراسة بالاعتدال لأن هذه النظم سياسيا واستراتيجيا تتحالف مع الغرب،وهذه شريحة أخرى صنفتها الدراسة بالاعتدال،ولها قوة صنع القرار بهذا تقر الدراسة إن بعض الأنظمة في العالم الإسلامي تعيش مشكلة الانفصال النفسي بينها وبين الشعوب،لان تطلعات الأنظمة تختلف عن تطلعات الشعوب.
الثالثة:- في العالم الإسلامي ((مسلمين)) عقيدة،إلا أنهم علمانيين ليبراليين نظما ومفاهيم وأفكار،وهؤلاء يتعاطفون مع القيم الغربية، والحداثة والتعددية. غير أنهم لاينافسون الإسلاميين وليس لهم تأثير على الرأي العام .
الرابعة:- إسلاميون عقائديون أو حركيون يصفون أنفسهم بأنهم ضد العنف وهم مجموعات الإسلام السياسي المعتدل والتنويري.
والواقع أن الشريحة الأولى لاتلعب دورا مهما ضد العنف الديني الموجه للغرب وان الأنظمة حينما تتقاطع مع تطلعات مجتمعاتها تعيش أزمة التعامل مع تحديات عنف الجماعات المتطرفة،فهي مهددة حاله حال المصالح الغربية فتغدو هذه الأنظمة جزءا من المشكلة وليست جزءا من الحل أما العلمانيين الليبراليين فأنهم لم يتوصلوا لحد الآن إلى تأسيس نظرية تدمج كل التراث الفكري الإسلامي في رؤية علمانية،ليبرالية،فلا تزال هذه الطبقة تعاني من تشويش في الرؤية الفكرية والتصور الفلسفي للحاضر والمستقبل وتشخص الدراسة:- إن الليبراليين والعلمانيين في العالم الإسلامي ليست مجموعات ناجحة ولا تحظى بالولاء لاسيما حينما تدخل التنافس مع الحركات الإسلامية في المعترك السياسي.
من كل ماتقدم:-
1- أجد أن معاهد البحث الجيوستراتيجي- في أمريكا والغرب عليها أن لاتعتمد على رؤية غربية للإسلام كأساس معرفي ومنهجي تؤسس عليه السياسات والأفكار والنظريات الإجرائية.
2- إن تعاونا علميا وفكريا يجبان يحصل بين مراكز البحوث الغربية ومراكز بحوث في العالم الإسلامي بحيث يوجد تلاقحا وحوارا وتصحيحا في مسارات التفكير والبنى المعرفية
3- إن تخليص أي دراسة توصيفيه من الالتباس يكمن في تحريواقتربت أجزاؤهنزعة الذاتية دينيا وسياسيا ،ومن نزعة هيمنة الأهداف الجيوسياسية على مجريات الدراسة.
أخيرا:لما كان العالم الآن قد اسقط العامل الجغرافي واقتربت أجزاؤه بالاتصال والمواصلات فان التواصل الحضاري والثقافي أصبح ضروريا.
لابد أن يصاغ على قدر عال من صحة المنطلقات والفرضيات والأسس وصحة المفاهيم التي يتم تداولها.
د .عبد الامير كاظم زاهد
استاذ الاسلاميات المعاصرة عميد كلية العلوم الاسلامية /جامعة كربلاء