عاد الشيخ محمد محمود الصواف (ت 1992) إلى العراق بعد الاتصال بالشيخ حسن البنا (اغتيل 1949)، وعمل مدرساً بكلية الشريعة بالأعظمية، واعتقل 1948 على إثر مشاركته في التظاهرات ضد معاهدة بورتسموث، وقيل كراهة لرئيس الوزراء حينها صالح جبر. وبعد إطلاق سراحه عُين في العام نفسه مفتشاً عاماً للمعابد. وأصدر العام 1954 مجلة «الأخوة الإسلامية»، وبعد ثورة تموز (يوليو) منح امتيازاً لإصدار «صدى الأخوة الإسلامية». واعتقل 1959 وترك العراق 1960، بعد تولي مسؤولية المراقب العام للإخوان المسلمين العراقيين.
بعدها هاجر إلى الحجاز، وعمل مدرساً بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بالمدينة، ومستشاراً في وزارة المعارف، ومستشاراً للملك فيصل بن عبد العزيز (اغتيل 1975). ذهب الصواف إلى أفغانستان وارتدى اللباس الأفغاني مع المجاهدين، حسب ما ظهر في الصور خطيباً بـ«المجاهدين». وتوفي وهو ينتظر الطائرة بصالة مطار اسطنبول (السامرائي، تاريخ علماء بغداد).
أخبرني الأديب والأكاديمي العراقي عبد الإله أحمد (ت 2007)، في لقاء معه بأربيل (أبريل 2006)، خلال مهرجان مؤسسة المدى الثقافي، وهو من الذين عاشوا تلك الفترة وساهم في أحداثها، أن الشيخ الصواف كان وراء الوشاية بالأكاديميين العراقيين اليساريين العاملين بالمملكة السعودية، على خلفية الموقف من أهل اليسار عامةً أوان 1959. وكانوا وصلوا السعودية بعد انقلاب 8 شباط (فبراير) 1963 القومي – البعثي، وصدور قرار بطردهم من الجامعة، نَفذه فيهم زميلهم رئيس الجامعة آنذاك المؤرخ عبد العزيز الدوري، واحتفظ بصورة منه.
وهم: اللغوي مهدي المخزومي (ت 1993)، صاحب «مدرسة الكوفة ومنهجها في دراسة اللغة والنحو» و«الخليل بن أحمد الفراهيدي». وكبير النُّقاد علي جواد الطاهر (ت 1996) صاحب «الشعر العربي في العصر السلجوقي»، وثلاثين كتاباً آخر في شتى مجالات الأدب. والأديب باقر سماكة (ت 1994)، صاحب «التجديد في الأدب الأندلسي». والفنان والأكاديمي خالد الجادر (ت 1988) صاحب «التصوير العراقي في القرون الإسلامية الوسطى» ومؤسس أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، وآخرون لا تحضرني أسماؤهم. ولما طالبت بهم الحكومة العراقية بحجة أنهم شيوعيون، امتنعت الدولة السعودية عن تلبية الطلب.
كان جواب وزير المعارف السعودي آنذاك الشيخ حسن آل الشيخ: «هل لديكم آخرون من هؤلاء الشيوعيين»! أكد لي قضية تورط الصواف في مثل هذا العمل الأكاديمي والناقد السعودي عبد الله الغذامي، العامل بجامعة الملك سعود، وأضاف: «أن الشيخ الصواف ألح كثيراً على وزير المعارف، بخصوص طرد هؤلاء العلماء، وبعد أن تيقن الوزير من أن هؤلاء نوابغ في تخصصاتهم، وليس لهم تدخل في السياسة، وليسوا متظاهرين بأي انتماء حزبي أو فكري أو سياسي على العموم، ولبلاده فائدة جمة من وجودهم، فلم يأخذ إلحاح الصواف بنظر الاعتبار وأهمله، وأن صور المخزومي والطاهر ما زالت معلقة على لوحة الشرف بالجامعة المذكورة».
تلك حادثة مشهورة بين مثقفي العراق، من دون أن يُعرف مَنْ وراءها! وللمفارقة بين أن تحمي وتحتضن السلطات السعودية أهل العلم والفن وإن كانوا من اليسار وعليهم شبهة الشيوعية، وأن يرميهم بلدهم ومن قبل الحكومة وهم على هذا المستوى من الخبرة لخلاف سياسي، ثم يلاحقهم عميد الإخوان المسلمين، وهو ابن وطنهم، بوشاية خطيرة في الاغتراب!
أقول: ماذا لو كان الشيخ الصواف نفسه وزيراً للتربية أو حاكماً على العراق مثلاً، ماذا سيكون مصير هؤلاء وسواهم! بينما كل ما حدث بالنسبة لعالم دين من خلافات المفروض أن يعاملها من قبيل اللغو قياساً بالثابت الديني، والتكليف الإلهي قياساً بالدنيوي:«وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً» (الفرقان: 72)!
بليد وجاهل يقود علماءميزته اما لطام او مفتي طويل اللحيه حليق الشارب قصير الثوب