حازم صاغية - 07/02/2010م - 2:20 م | عدد القراء: 44



 

فليعذرني القارىء على هذا الاستهلال الشخصيّ والافتراضيّ في آن واحد:
لنتخيّل أنّني في موقع إصدار الإدانة القانونيّة والحقوقيّة على حاكم مستبدّ ومجرم بات في يد العدالة، ما هو الحكم الذي أصدره عليه؟
أزعم أنّي سأحكمه بالسجن المؤبّد مع إتاحة القدرة له كي يشاهد التلفزيون ويقرأ الصحف والكتب في زنزانته. لماذا؟. لأنّ ذاك المستبدّ المجرم حين يرى الحياة تتواصل من بعده، والمجتمع يغدو أكثر حريّة وانفتاحاً وتفتّحاً، سيحسّ بأنّ العقاب الذي وقع عليه أسوأ أنواع العقاب وأقساها. وغنيّ عن القول إن الدكتاتور هو من يظنّ أنّ الحياة تتوقّف في مجرّد أن يكفّ عن أن يكون دكتاتوراً. في الوقت ذاته، وبعد أن تكون محاكمته قد تحوّلت إلى درس سياسيّ وأخلاقيّ يشهده ويسمعه المواطنون في صورة يوميّة، سأحوّله، وهو في سجنه، إلى موضوع لدرس الدارسين وبحث الباحثين. هكذا تتاح فرصة العدد الأوسع من ضحاياه ومن شعبه كي يتّعظوا بالتجربة ويتعلّموا عِبَرها فلا يلجأون إلى تكرارها في المستقبل.
في المقابل، أبتعد تماماً عن إصدار حكم الإعدام، بل أناضل في سبيل منع إصدار حكم كهذا منعاً شاملاً يعادل، في لغة المؤمنين، التحريم. ووراء هذا الموقف أسباب عدّة:
أوّلاً، أظهرت التجارب كلّها في البلدان التي تُجري إستقصاءات جدّيّة وموثوقة للرأي العامّ، أنّ الإعدام لم يخفّف إطلاقاً نسب ارتكاب الجرائم التي سبق أن أُعدم مرتكبوها. وهذه الحجّة الصلبة والملموسة كانت أقوى الحجج التي دفعت البلدان الأوروبيّة إلى وقف استخدام العقاب هذا.
وثانياً، إنّ كلّ ما يرسخ من حكم الإعدام شيوع عقليّة ثأريّة وانتقاميّة تتفشّى في المجتمع وتنشر بعض أكثر القيم بدائيّة، وفي موازاتها تعمّ ممارسة الوشاية مسمّمةً المجتمع والأخلاق العامّة بما يستحيل إصلاحه في المدى المنظور.
وثالثاً، بدل توسيع رقعة التأييد للوضع الجديد، وضعِ ما بعد الدكتاتور، وبدل دفع المزيد من القوى الاجتماعيّة الى الانفتاح عليه، تعمل النزعة الثأريّة على خلق التعاطف مع من ينزل به حكم الإعدام من قبل الجماعة الأهليّة التي ينتمي إليها. هكذا ينجرف الوضع الوطنيّ برمّته نحو التنابذ الأهليّ بدل أن يرتقي إلى درجة أعلى من الانسجام والتكامل بين أبناء الوطن الواحد.
ورابعاً، وبالنسبة إلى المؤمنين، فإن العقاب الأقصى الذي يطاول الحياة نفسها هو من حقّ الله وحده. أمّا بالنسبة إلى غير المؤمنين، فوظيفة العقاب ليست الثأر والانتقام، بل الإسهام في تحسين الشروط السياسيّة والأخلاقيّة للجماعة المعنيّة ولطرق عيشها وتعاملها في المستقبل.
فهل يصغي الأصدقاء العراقيّون، وهل ينتبهون إلى أنّ كلّ إعدام يحصل إشارةٌ بليغة الدلالة إلى أن الأمور لا تسير على ما يرام، ومزيد من التمكين لقيم متأخّرة لن ينجو أحد من آثارها الضارّة التي تفتك بالجميع؟



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:
عدد الأحرف المتبقية: