07/02/2010م - 2:32 م | عدد القراء: 308


جوزيف حرب

 

هو اكثر معالم قلعة صلاح الدين شهرة، الى درجة ان الكثيرين يعتقدون ان القلعة هي قلعة محمد علي باشا، نظرا لشهرة الجامع وجماله المعماري المميز. يسمى ايضا «جامع المرمر»، وهو نوع من الرخام النادر الذي كسي به. وتتلاقى مختلف المصادر التاريخية على انه ما ان اتم محمد علي باشا اصلاح وترميم قلعة صلاح الدين، وفرغ من بناء قصوره، ودواوين المالية، والجهادية، وعموم المدارس، ودار الضرب، حتى بادر الى العمل في بناء جامع كبير داخل القلعة لاداء الفرائض الدينية، وليكون في النهاية مدفناً له.

باسكال كوست المهندس المعماري الفرنسي يقول في مذكراته، ان محمد علي باشا طلب منه وضع تصميم لجامع في القلعة سنة 1820 م. لكن المشروع توقف، ولم يشرع في اعمال البناء الا سنة 1830م، وفق تصميم مهندس معماري تركي هو المهندس يوسف بوشناق، الذي وضع تصميمه على غرار جامع السلطان احمد في الاستانة، مع بعض التغييرات الطفيفة.
استمر العمل في هذا المشروع، بدون انقطاع او توقف، حتى توفي محمد علي باشا سنة 1848م، ودفن في المقبرة التي اعدها لنفسه، داخل الجامع، الذي بني على انقاض قصر الابلق والايوان، الذي كان شيده الناصر محمد بن قلاوون، والقاعة الاشرفية التي تنسب الى الاشرف خليل بن قلاوون.
ومع نهاية العام 1848م، كان بناء الجامع كاملاً في ما يتعلق بالأسوار، والقباب والمآذن والكتابات العربية التي تعلو الشبابيك الخارجية، بما فيها كسوتها الرخامية. اما اعمال كسوة الرخام للواجهات فلم يكن قد انجز منها الا القسم السفلي حتى الباب القبلي للصحن. ولما تولى عباس باشا الاول الحكم، في نهاية سنة 1848، امر باستكمال اعمال النقش والتذهيب، وبعض اعمال الرخام في الجامع. كما امر بصنع تركيبة رخامية، ومقصورة نحاسية بالاضافة الى تعيين القراء، ورصد الخيرات والتبرعات للجامع.
وعندما تولى محمد سعيد باشا الحكم سنة 1853م. رصد له خيرات كثيرة، وقرر احياء احتفالات رسمية لمدة خمس ليال كل عام، هي ليلة الاسراء والمعراج، وليلة النصف من شعبان، ثم ثلاث ليال من شهر رمضان المبارك، هي ليلة 13. وهي ليلة ذكرى وفاة محمد علي باشا، وليلة 14 منه، وفيها تم دفنه في مقبرته داخل الجامع، ثم ليلة القدر.
في عهد الخديوي اسماعيل باشا، سنة 1863م. تم تركيب ابواب جديدة، بمفصلات نحاسية، للجامع، كما احيط بالاسوار، وجرى تجهيزه بدورات حديثة للمياه. وفي العام 1879م. امر الخديوي توفيق باشا باصلاح رخام الصحن واعادة الواح الرصاص، التي كانت تغطي القباب.
اما الملك فؤاد، فقد امر، في بداية عهده، بتشكيل لجنة حفظ الاثار العربية، التي قامت بازالة القبة الكبيرة، وما حولها من انصاف قباب، وقباب صغيرة، واعادة بنائها، ضمن هياكل من الصلب، تكوّن في مجموعها عدة ابراج مستقلة. وقد تم الحفاظ على الابعاد المعمارية الاصلية، وعلى سماكة القباب القديمة، وذلك عن طريق تشييد قباب مفرغة حتى تحتفظ بشكلها القديم، كما روعي عند اعادة الزخارف ان تكون مثل القديمة تماماً.
قسمان وبابان
اما التخطيط المعماري لجامع محمد علي باشا، فهو عبارة عن مساحة مستطيلة تنقسم الى قسمين: الاول، وهو القسم الشرقي، هو المكان المعد للصلاة، والثاني، وهو القسم الغربي، هو الصحن، وتتوسطه، فسقيّة للوضوء. ولكل من القسمين بابان، احدهما جنوبي والآخر شمالي.
يتكون الجزء الشرقي للجامع من مساحة مربعة الشكل يبلغ طول ضلعها 41 متراً، تتوسطها قبة قطرها 21 متراً، وارتفاعها 52 متراً، من مستوى ارضية الجامع، وهي محمولة فوق اربعة عقود كبيرة، محمولة بدورها، على اربع اكتاف مربعة، يحيط بها اربعة انصاف قباب، بالاضافة الى نصف قبة في مستوى اقل، تغطي المحراب، بالاضافة الى اربع قباب صغيرة في زوايا (اركان) الجامع. وقد كسيت جدران الجامع الداخلية والخارجية، وكذلك الاكتاف الاربع الداخلية الحاملة للقبة، حتى ارتفاع 11 متراً، بالرخام المعروف باسم الالبستر، المقطوع من محاجر بني سويف. ويعلو مدخل الباب الغربي المؤدي الى الصحن، دكة للمؤذنين، بعرض المسجد، مقامة على ثمانية اعمدة من الرخام وفوقها عقود. وتوجد على مدار الجامع، من الاسفل، شبابيك كتبت فوق عتباتها ابيات من قصيدة «البردة» للبوصيري.
ج
اما محراب الجامع، فهو من الرخام «الالبستر» ويجاوره منبر رخامي من الرخام الالبستر ايضاً، المطعم بالرخام الاحمر، ويرجع تاريخه الى عصر الملك فاروق الاول. اما المنبر الاصلي للجامع، فيجاور المنبر الرخامي، وهو مصنوع من الخشب، ويرجع تاريخه الى عصر محمد علي باشا، وهو من اكبر المنابر الموجودة في مصر. وقد تمت زخرفته بالذهب، وهو يحتوي على باب المنبر الذي يحمل توقيع الصانع، وعليه عبارة «عملت بيد احمد حسين جمال الدين في سنة 1360هـ».ومع ان مهندس الجامع قد اقتبس من مسجد السلطان احمد في الاستانة، التصميم المعماري والواجهات، وشكل المآذن، الا ان زخارف جامع محمد علي باشا، ترجع الى طراز الزخارف التي سادت تركيا في القرن الثامن عشر، والتي عرفت باسم طراز «الباروك» او «الروكوكو» والذي يتمثل في وجود اواني الزهور الملونة، وبعض الفواكه، وعناقيد العنب. وقد حليت زوايا القباب بكلمة «الله» وعبارة «محمد رسول الله»، واسماء الخلفاء الراشدين، بخط الفنان التركي «امين ازمرلي»، وهو من بلدة «ازمير» في تركيا.
ويمتاز جامع محمد علي باشا بعدة مواصفات معمارية وفنية جعلته متفرداً بين المساجد الأخرى. ومئذنتاه شاهقتان، اذ بلغ ارتفاعهما 84 متراً. واذا اضفنا اليهما ارتفاع القلعة التي شيد فوقها الجامع يصبح ارتفاعهما حوالي 164 متراً عن مستوى سطح البحر. كما يصل عدد «المشكاوات» الموجودة داخل هذا الجامع، الى 365 مشكاة، اي بعدد ايام السنة. وهي تعزف الحانا موسيقية في حالة الهدوء. كما يتميز الجامع بظاهرة صدى الصوت الظاهر، عند ارتفاع ا لاصوات، داخل بيت الصلاة، وذلك بسبب وجود عدد كبير من الاواني الفخارية المعروفة باسم «الزلع»، الموضوعة على فوهتها. ويقال ان خليج السويس والعقبة، مرسومان بالرخام الى جانبي مدخل المحراب. يقال ايضا ان الرخام الذي كسيت به جدران الجامع الداخلية والخارجية. شديدة الشفافية. فاذا تم اشعال الضوء في جانب هذا الرخام فان الضوء يمكن مشاهدته من الناحية الاخرى.
اما المقصورة التي دفن فيها محمد علي باشا، فتقع في الركن الجنوبي- الغربي للجامع، وهي عبارة عن مقصورة نحاسية مذهبة، جمعت بين الزخارف العربية والتركية والمصرية، وتتوسطها تركيبة رخامية تضم قبر محمد علي باشا، فيما الجدران الداخلية للمقصورة مبطنة بالحرير الاخضر الفاخر. ومن مميزات هذه المقصورة ايضا انها كاتمة للصوت، بحيث ان من قرأ القرآن في داخلها، لا يسمعه من في الخارج.
ويمكن الوصول الى الصحن، وهو فناء كبير مساحته 2400 متر مربع، عبر الباب الذي يتوسط الجدار الغربي للمسجد. ويحيط بالصحن اربعة اروقة ذات عقود محمولة على اعمدة رخامية تحمل قبابا صغيرة زخرفت من الداخل بالزخارف الملونة، وهي مغشاة من الخارج بألواح من الرصاص، مثل القبة الكبيرة. اما الجهة الشرقية، فتشرف على الجامع، وقد حفرت على اعتاب الشبابيك آيات من القرآن الكريم بالخط الفارسي. وتتوسط الصحن الميضأة، او الفوارة، وهي عبارة عن قبة انشئت سنة 1263 هجرية، وهي مقامة على ثمانية اعمدة من الرخام تحمل عقوداً تكون شكل منشور ثماني الاضلاع، وفوقه رفرف عليه زخارف بارزة. ويتوسط هذه القبة قبة اخرى رخامية مثمّنة الشكل نقش على اضلاعها عناقيد عنب، وآية قرآنية، بالخط الفارسي. ويتوسط الرواق الغربي في الصحن برج من النحاس المخرم والزجاج الملون، وفي داخله ساعة اهداها لويس فيليب، ملك فرنسا، لمحمد علي باشا سنة 1845م، مقابل المسلة الفرعونية، التي تجمل ميدان الكونكورد في باريس.
دراسة حديثة اكدت ان عددا من المباني المحيطة بالجامع، يرجع تاريخها الى عصر محمد علي باشا، وهي تمثل اول مدرسة «مهندسخانة»، او اول مدرسة للمهندسين العسكريين في مصر، تم انشاؤها سنة 1816م، على يد محمد علي باشا، بعدما لمس مقدرة لدى الطلبة المصريين على تعلم العلوم الهندسية المختلفة، ورغبتهم في التعلم، ولذلك امر بانشاء المدرسة وكانت اول مدرسة للمهندسخانة.
وكان سبب انشاء هذه المدرسة كما ذكر المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي، ما حدث في شهر ذي القعدة سنة 1231هـ الموافق سنة 1816م حيث «ان شخصا من ابناء البلد يسمى حسين شلبي عجوة، ابتكر فكرة صورة دائرة، وهي التي يدقون بها الارز وعمل مثالا من الصفيح يدور بأسهل طريقة... وقدم ذلك المثال (النموذج) الى الباشا فاعجبه. وانعم عليه بدرهم».
ثم ذكر الجبرتي بعد ذلك «ان الباشا لما رأى هذه النكتة في حسين شلبي هذا، قال ان اولاد مصر نجابة، وقابلون للمعارف، فأمر ببناء مكتب في حوش السرايا ويرتب فيه جملة من اولاد البلد ومماليك الباشا، وجعل معلمهم حسن افندي درويش، المعروف بالدرويس الموصلي، يقرر لهم قواعد الحساب والهندسة. وعلم المقادير والقياسات والارتفاعات، واستخراج المجهولات، مع مشاركة شخص رومي يقال له روح الدين افندي، بل واشخاص من الافرنج، واحضر لهم آلات هندسية متنوعة من اشغال الانكليز، يأخذون منها الابعاد والارتفاعات والمساحة، ورتب لهم، شهريات وكساوى في السنة. واستمروا على الاجتماع في هذا المكتب وسموه «مهندس خانة» في كل يوم من الصباح الى بعد الظهيرة، ثم ينزلون الى بيوتهم ويخرجون في بعض الايام الى الخلاء لتعليم مساحات الاراضي وقياساتها بالاقصاب، وهو الغرض المقصود للباشا.


الإسبوعية

التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:
عدد الأحرف المتبقية: