من الأخطاء الكبيرة التي غالباً ما يقع فيها البعض من اخوتنا العاملين، خطأ التعامل مع الأحداث الجارية وفق منهج التبسيط والتسطيح وقصر النظر والانجرار إلى ردود الأفعال تجاه الأفعال التي تُصنع من قبل الأعداء أو أدواتهم المحلية.
محور الصراع الرئيسي (كما نفهم) في العراق هو بين:
شعب يسعى من اجل استكمال عناصر حريته واستقلاله وسيادته وبناء مؤسسات دولته الدستورية المعبّرة بصدق عن إرادته وخياراته، ويسعى للالتزام بهويته الحضارية والعقائدية.. فضلاً عن استثمار ثرواته لتحقيق الرخاء والازدهار، وبالتالي أداء دوره المنتظر في المنطقة والعالم.
وبين قوى معادية (دولية وإقليمية ومحلية) تسعى بعكس اتجاه ما يريده الشعب العراقي، قوى تعرف عناصر قوة هذا الشعب جيداً، ولذا فهي تسعى من اجل تدمير مقومات عيشه لحريته واستقلاله وسيادته وسرقة ثرواته وإعاقة بناء الوطن وإعماره، وكذلك تدمير منظومته العقائدية والحضارية ومنع الملتزمين بأخلاص بتلك المنظومة من مسك قرارات الحكومة ومفاصلها الحيوية.. وبالتالي منعه من أداء دوره الطبيعي.
وأوضح صورة لما يقوم به الأعداء هو ما قام به نظام المجرم صدام البائد وما تقوم به دوائر أمنية وسياسية غربية وصهيونية وعربية في هذه المرحلة من دعم للإرهابيين القتلة وتآمر مفضوح على الأغلبية ودورها.
من المفترض ان تكون المرجعية الدينية العليا وأجهزتها المعروفة والقوى الوطنية الإسلامية العراقية المخلصة هي الكتلة الصلبة أو البنيان المرصوص التي تـنطلق منها حركة الشعب باتجاه تلك الأهداف الخيّرة، وان تكون تلك الملايين من الموالين والذين نراهم مرات عديدة في السنة سائرين باتجاه رموز مقدساتهم وعقائدهم، هي القاعدة الشعبية الحقيقية لتلك الحركة ولقيادتها وهي المعين الذي لا ينضب الذي يزوّدهما بعناصر الفعل والحركة والإدارة والدفاع..
ليس مبالغةً أو تهويلاً إذا قُـلنا بان الدوائر الأمنية والسياسية الدولية المعادية (وللأسف الشديد) تعلم اكثر من الكثيرين منا، تفاصيل الحركة والصراع والأحداث في بلادنا، وتتحرك بأساليب وسياسات متقدمة معقدة قد تضلّل الوعي السياسي للرأي العام العراقي، وتسبقنا في رسم السيناريوهات والاحتمالات المستقبلية للأحداث.
لا نقول هذا جزافاً بل تقوله العشرات من الدراسات والتقارير والكتب الغربية التي يُمكن الاطلاع عليها. ومن هنا نفهم أسباب بعض التحركات السياسية والاعلامية المريبة (محلية ودولية) الأخيرة الساعية لتوظيف قراءات خاطئة لنتائج انتخابات مجالس المحافظات في محاولات بناء تحالفات هشّة ومفبركة وتفتقد لوحدة المبادئ (وحتى لوحدة المصالح الاستراتيجية) لانتخابات مجلس النواب القادم ... وكذلك تحركات شخصيات عراقية مقيمة في الخارج معروفة بارتباطاتها القديمة بدوائر أمنية دولية ومجيئها إلى بغداد في الأشهر الأخيرة للترويج لما تسمّه بـ (التحالف الوطني البعيد عن الطائفية والمحاصصة...الخ) وتشجيع بعض الفائزين في انتخابات مجالس المحافظات على عدم إعادة تشكيل التحالفات والائتلافات (الطائفية) السابقة كما يسمونها والمقصود بها (الائتلاف العراقي الموحد).
كان الإيعاز من قبل المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف بتشكيل (الائتلاف العراقي الموحد) قبل اكثر من أربعة أعوام، بمثابة الفعل الاستراتيجي الهام الذي تحتاجه الساحة العراقية ولربما لمرحلة طويلة، وبدون انبثاق ذلك (الائتلاف الموحد) ما كان يُمكن تحقيق أية واحدة من المنجزات الأساسية التي تحققت منذ سقوط صنم بغداد ولحد الآن وفي مقدمتها تحقيق تصحيح (بدرجة لا بأس بها) في المعادلة السياسية والاجتماعية الظالمة التي حكمت العراق منذ ما يُسمى بالاستقلال أي منذ اكثر من ثمانين عاماً (وهي معادلة حكم الأقليات غير القادرة على التعبير عن آمال ومصالح الأغلبية الشعبية في البلاد).
بل ويُمكن اعتبار موجة الإرهاب والقتل الجماعي الوحشي والجرائم النوعية الكبرى (مثل تفجير العتبات المقدسة وقتل الزوار ومجزرة يوم عاشوراء في كربلاء والكاظمية وغيرها) التي تم تـنفيذها بحق اتباع أهل البيت في الفترة 2005 - إلى أواسط 2008، وتصاعد مستويات التآمر العربي والدولي على الائتلاف العراقي الموحد وعلى قواه الأساسية، يُمكن اعتبارها مرآة تعكس عمق الأحساس بالخوف من انبثاق الائتلاف واستمرار فاعليته وسعة قاعدته وبتعبير آخر مرآة تعكس الفهم الإقليمي والدولي الدقيق والعميق لأهمية دور الائتلاف العراقي الموحد في الحياة السياسية العراقية وفي صياغة مستقبل العراق.
لم يكن هدف صناعة الائتلاف العراقي الموحد، هو صهر كل القوى السياسية المخلصة لمصالح العراق والعراقيين في تنظيم سياسي واحد وتحت زعامة سياسية واحدة، وانما الهدف الأساس (وكما نفهم نحن) دفع تلك القوى المخلصة لتحديد مشتركاتها (وهي كثيرة) والانطلاق منها في أداء الدور المطلوب في العملية السياسية في العراق والاتفاق على آلية سلمية متحضّرة (وداخل البيت الواحد) لإدامة الحوار في الملفات والقضايا المختلف عليها. وبتعبير آخر توجيه تلك القوى للانطلاق من مبادئها العامة (المعبّرة عن هوية الأغلبية الساحقة من العراقيين وفي مقدمتهم من اتباع أهل البيت (عليهم السلام)).
ومن مصالحها الاستراتيجية الكبرى في حركتها السياسية والاجتماعية وحتى في علاقاتها الخارجية، ونقل الحوار والاختلاف والتنافس في كل ما عدا ذلك (أي عدا المبادئ العامة والمصالح الكبرى) الى داخل البيت (أي بيت الائتلاف الموحد).
إن النواقص والأخطاء في (الائتلاف العراقي الموحد) سواء في تصميم صورته او في مسيرته العملية لا تكفي إطلاقاً كمبررات لنبذ مشروع (الائتلاف) والبحث عن بدائل أخرى. ويُمكن التعرف على سلبيات ومخاطر البدائل الأخرى من خلال الدراسة الواعية لنتائج انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة وما رافقها من تصاعد في الخلاف والتنازع وخسران ثقة القاعدة الشعبية ومضاعفات خطيرة أخرى كانت في الطريق لولا حكمة بعض القيادات وإحساسها المبكّر بالخطر الذي توضح جيداً خاصة بعد ان طمع الأعداء بنا وبعد أن بان في الأفق ما يخبّـئه الأعداء للمستقبل القريب والذي انكشف من أطروحات بعض سماسرتهم الذين بدأوا بالتردد على بغداد وطرح المشاريع التي تزيد من إنشقاقات الساحة الوطنية وإنهاء قوة الكتلة البرلمانية الكبيرة أي الائتلاف.
إن من الخطأ والظلم الكبير أن ننساق إلى استخدام مصطلحات أعدائنا تجاه ما هو خاص بنا، ونبدأ ومن حيث لا نشعر (وأحياناً لمجرد الإيحاء باعتدال وعقلانية خطابنا وكأننا بحاجة إلى شهادة حُسن سلوك من أعدائنا ومنافسينا) نبدأ بالترويج لتلك المصطلحات وتصبح جزءاً من خطابنا السياسي والثقافي اليومي، بينما تستغرب قواعدنا الشعبية الحقيقية من هذا السلوك، ونقع في فخاخ الحرب النفسية التي تجيد فيها بعض الجهات استخدام أدوات الحرب النفسية لإقناعنا بان رأي بعض الشخصيات والجهات الطارئة هو المعبّر عن رأي قواعدنا.
(الائتلاف العراقي الموحد) لم يكن ولم يصبح مشروعاً طائفياً (إذا كنا ندرك المعنى الصحيح لكلمة الطائفية وهو أن نفضّل شرار قومنا على أخيار الآخرين وهو ايضاً أن نحارب ونضطهد الطوائف الأخرى لخدمة مصالح طائفتنا فقط وان نقتصر في معادلة الحكم والنفوذ والمكاسب السياسية والاقتصادية على أبناء طائفتنا فقط... وغير ذلك).
(الائتلاف العراقي الموحد) لم يتّصف باية واحدة من تلك الممارسات المرفوضة من قبلنا تماماً (الائتلاف العراقي الموحد) وهو صاحب الأغلبية البرلمانية الكبيرة (بالرغم من حصول تزوير في حساب أصواته داخل المفوضية وبضغوط خارجية توجد معلومات من داخل المفوضية تؤكد ان الاصوات الائتلاف زادت عن 160 صوتاً وهو ما أدى الى اتخاذ قرار بمنع الاعلان اليومي لعد الاصوات وتأخير أعلان النتائج النهائية 28 يوماً) ووفق الآليات الديمقراطية المتداولة عالمياً من حقه ان يشكل الحكومة بمفرده، الاّ انه قام بتقسيم المواقع التسعة الهامة بنسبة الثلث لكل مكون من المكونات الثلاث وقام بتقسيم المواقع الأمنية الهامة على المكونات الأخرى حتى بلغ الأمر أن لم يبقى لـ (الائتلاف العراقي الموحد) حضور حقيقي في أهم واخطر الأجهزة الأمنية القائمة.
(الائتلاف العراقي الموحد) هو الذي يبادر إلى كبح جماح ردود الفعل الشعبية تجاه مجازر وجرائم الإرهابيين بحق اتباع أهل البيت، ومرجعيته الدينية العليا كانت الأساس في تطويق ومعالجة أية فتنة طائفية وترسيخ أسس الوحدة الوطنية من خلال مواقفها وآراؤها وإصرارها على كل ما فيه مصلحة كل العراقيين وكل الوطن.
(الائتلاف العراقي الموحد) هو الذي كان ولا يزال يدعو الآخرين (بل وحتى المعادين له) ويلح عليهم ويتوسل إليهم.
للمشاركة في العملية السياسية والمشاركة في السلطة والشراكة حتى فيما هو حق خاص.
مسؤولوا ووزراء وكوادر (الائتلاف العراقي الموحد) هم الذين يديرون مشروع الحوار والمصالحة الوطنية حتى مع من يحمل السلاح ضد العملية السياسية وضد الحكومة، وهي الممارسة التي لا مثيل لها لا في العهود السياسية الماضية في العراق ولا في الدول العربية الأخرى، وهذه نقطة مهمة تُسجّل للائتلاف العراقي الموحد وليس لغيره، علماً بان غالبية حملة السلاح ضد النظام هم من المكون المذهبي الآخر. أن تكون كل أطراف وشخصيات الائتلاف العراقي الموحد شيعية المذهب لا تعني طائفيتها ووجود طرف أو شخصية أو اكثر تنتمي إلى مذهب آخر لا يكفي كدليل على عدم طائفيتها، الأساس هو البرنامج السياسي وطبيعة الرؤى والمواقف تجاه الآخر..
أن يكون جميع أو غالبية أعضاء حزب معين من مكون واحد لا يعني إطلاقاً عنصريته أو طائفيته، فالظاهرة ذات تفسير نفسي واجتماعي اكثر من أن يكون سياسي، وهي ظاهرة لا تخص العراق ولا حتى العالم الإسلامي بل هي موجودة في المجتمعات الغربية المعروفة بنضجها السياسي فالعديد من الأحزاب الأوربية ذات الصبغة المسيحية كل أعضائها من البروتستانت أو الكاثوليك. في بريطانيا كل رؤساء الوزراء يجب أن يكونوا من البروتستانت وحتى في الولايات المتحدة الأمريكية فكل الرؤساء بروتستانت باستثناء (كندي) الذي كان كاثوليكياً وفي روسيا يجب أن يكون الرئيس والنخبة الحاكمة من الأرثودوكس وفي السعودية واغلب دول وأمارات الخليج العربي الحكام والنخبة السياسية من مذهب واحد وفي مصر الحكام والنخبة من مذهب واحد وهكذا في الكثير من الدول العربية والإسلامية ولم يصفها (أو يصف نخبتها السياسية) أحد بالطائفية والجدير بالذكر بان المكون المذهبي أو القومي الآخر في هذه الدول ذو أعداد غير قليلة حتى تبلغ النصف أو اكثر في بعضها...
الأعداء والحاقدين على اتباع أهل البيت عليهم السلام هم الذين وبمجرد أن شاهدوا رموز السياسيين الشيعة العراقيين (بعد 9/4/2003) على واجهة المسرح السياسي وفي مواقع المسوؤلية العليا (بعد غياب أو تغييب لعقود طويلة من الزمن، بدأوا بالصراخ بأتهامات الطائفية وهم الذين بدأوا يرددون في خطابهم السياسي بان الاحتلال جاء بالطائفية وبالمحاصصة الطائفية لتبرئة صاحبهم (الدكتاتور السابق) ولأبعاد الأنظار عن جذور الطائفية العميقة الجذور في المجتمع والدولة العراقية من الفترة العثمانية ثم البريطانيين ومعادلتهم الشاذة في الحكم والتي استمرت حتى 9/4/2003 ربما باستثناء فترة الزعيم عبد الكريم قاسم رحمه الله.
وأمر هام آخر هو: على البعض أن لا يخطأ في قراءة نتائج انتخابات مجالس المحافظات الأخيرة فالنتائج تدل وبوضوح على أن الانتماء المذهبي لمناطق المحافظات هو الأساس الأول لأعطاء الصوت وفي حالة تعدد القوائم ضمن المكون المذهبي الواحد يتم إعطاء الأصوات وفق الأسس والمعايير الأخرى مثل الخطاب والبرنامج السياسي وإنجازات المرحلة السابقة والثقة بالمرشحين وغيرها..
فقوائم شهيد المحراب وائتلاف دولة القانون وقائمة الأحرار إنما فازت بأصواتها في مناطق الفرات الأوسط والجنوب وهي مناطق قواعدها وما أُعطي لها من أصوات في محافظات المنطقة الغربية يكاد لا يُذكر.. وهذا ليس عيباً ولا خطأ، بل هي ظاهرة تؤشر على طبيعة وهوية الصراع
او التنافس في هذه المرحلة في المجتمع العراقي، فالعراقيين لازالوا يعيشون فترة انتقالية ستمتد لسنوات طويلة اخرى وستكون محركات الصراع والتنافس فيها متأثرة كثيراً بتداعيات ومضاعفات سياسات الاضطهاد المذهبي الطائفي والاضطهاد العنصري الذي مارستها العهود السياسية الماضية بشكل منظم ومنهجي ولعقود طويلة من الزمن، اضافة الى ان الهوية المذهبية (الشيعية) لدى قواعدنا المليونية لا تعبّر عن روح طائفية سلبية وعدوانية، بل تعبّر عن هوية حضارية فكرية وسياسية واجتماعية هي التي طبعت بصمتها على العراق ودافعت عنه وكانت الأساس لإيجاد كيانه الوطني المستقل.
الرؤية العلمية العميقة لدور الشيعة والتشيّع في العراق، تقود إلى انه من الصعب بل من المستحيل بناء عراق حر ومستقل وذو سيادة ودستوري وديمقراطي وموحد خالٍ من الصراعات الدينية والعنصرية والطائفية ومتسامح مع الآخرين تسوده روح المواطنة العراقية الحقيقية، إذا لم تأخذ المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف ولم يأخذ الفكر الشيعي والثقافة الشيعية والقوى الاجتماعية والسياسية الشيعية دورها الفاعل والطبيعي (والمتناسب مع حجمها السكاني) في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية وحتى الاقتصادية وكذلك في مؤسسات الدولة وتكوين القرار ورسم السياسات..
التشيّع والشيعة هم الذين حافظوا على العراق وحققوا له الاستقلال بالطبع الى جانب اخوانهم من الوطنين من المكونات الأخرى وواجهوا الاستعمار المباشر ودفعوا ثمناً باهضاً لذلك وهم الذين جسّدوا صور الوحدة الوطنية والمحافظة على صفة تعددية المجتمع العراقي، انظروا أين كان يعيش أبناء الأقليات اليهودية والمسيحية والصابئة وغيرهم .. دائماً كانوا يعيشون في مناطق شيعة العراق وبكل حرية وأمان وبقوا لقرون متعايشين معهم وآمنين في ديارهم...
الائتلافات ذات الهوية الشيعية ضمان لوحدة المجتمع العراقي وبناء روح المواطنة وليس ما يردده المضلّلين (وخاصة أدوات بعض القوى المعادية) وما يقوله وللأسف بعض إخواننا دون تعمق بالأمور ودون تدبّر للعبارات والدليل الواضح على صحة ما نقول هو نتائج ومضاعفات سياسات كل الحقب السياسية المنصرمة في حكم العراق (منذ ما يسمى بالاستقلال في العشرينات من القرن الماضي وحتى 9/4/2003) تلك الحقب والعهود السياسية التي عملت وبشكل منهجي وسلطوي (ذروتها في عهد المجرم صدام) على إقصاء وتهميش التشيّع والقوى والمؤسسات الشيعية والملايين من المواطنين العراقيين الشيعة عن مكانهم ودورهم الطبيعي.. فكانت النتيجة عدم استقرار سياسي وحروب خارجية وحملات أبادة داخلية وانتهاكات واسعة وفظيعة لحقوق الإنسان وتدمير البلاد وتأجيج النزاعات الأهلية ودمار الاقتصاد ونشر التوتر والأزمات في المنطقة.
ان تنظيم المكونات الأساسية للمجتمع العراقي ضمن ائتلافات سياسية وطنية كبيرة عامل إيجابي ومفيد بل وربما يكون ضروري في هذه المرحلة وربما لفترتين دستوريتين قادمتين، فوجود الائتلافات القليلة والكبرى افضل بكثير من وجود العشرات من القوائم والتكتلات التي تؤدي الى تشرذم القرار حتى داخل المكون الواحد.
ستكون التفاهمات والحوارات ورسم المعادلات وصياغة البرامج عند تشكيل الحكومة وإدارة أزماتها، ستكون اسهل بكثير لاننا سنتجنب النقاش والحوار والاختلاف في مسائل لا تعنينا كثيراً لأنها هي شأن داخلي للمكون .. تنظيم البيت يسهّل عملية التفاهم مع الجار، بينما تشرذم البيت الواحد يؤدي الى صعوبة التفاهم مع الجار خاصة إذا كان الجار ايضاً يعيش حالة التشرذم. إن تجتمع القوى الوطنية الشيعية داخل ائتلاف عراقي موحد كبير افضل من تشرذمها إلى كتل وائتلافات صغيرة يتمكن الأعداء والمنافقين من استغلال الثغرات والخلافات الجانبية الموجودة بينها، وهذا ينطبق على المكونين الآخرين.
وهنا الأمر لا يعني بالضرورة طائفية ومذهبية الخطاب السياسي للائتلاف الكبير، فتنظيم صفوف القوى المتشابهة أو ذات الجذر الثقافي الواحد شيء ونوع وطبيعة البرنامج السياسي والخطاب السياسي الذي يعتمده الائتلاف في حركته شيء آخر.
وإذا كانت هناك ضرورة للإشارة السريعة لأهم الأخطاء التي تم ارتكابها في مسيرة الائتلاف العراقي الثاني (قائمة 555) وبعضها مكرر لما حصل في قائمة (169) فنقول ان أهمها:
- تحول لجنة الأشراف على بناء الائتلاف إلى طرف إلى جانب الأطراف الأخرى له حساباته الخاصة به ويطالب باستحقاقاته، وتوضح ذلك جيداً عند بناء القائمة وتقسيم الوزارات وإشغال المواقع الهامة، وكان يُفترض الحيادية في مثل هذه اللجان.
- غياب المعايير في حسم الصيغة أو المعادلة الأخيرة لحصص الأطراف في القائمة.
- حصول أطراف على حصص لا تتناسب مع قدراتها ومع فاعليتها الواقعية في الساحة.
- عدم امتلاك الضمانات والضوابط الواقعية القادرة على ردع من يخرج على الاتفاقات والتعهدات الموقعة قبل الانتخابات، بعد الفوز بها وبعد إشغال المواقع الرسمية الكبرى.
حتى اصبح (الائتلاف) وكأن وظيفته الحقيقية هي جمع الأطراف لغاية حصولهم على مقاعد مجلس النواب وعلى مواقع الدولة، وبعد ذلك لكلٍ شأنه الخاص به بل وسياساته وخططه الخاصة به. بكلمة أخرى بدلاً من أن يقوم الائتلاف (بصفته الكتلة البرلمانية الأكبر) بدوره القيادي في إدارة البلد والدولة، اصبح مشغولاً بنزاعات أبنائه وانقلاب بعضهم حتى على المواثيق الموقّعة.
وتبقى المعضلة الكبيرة قائمة وهي: كيف يتمكن مسؤولوا أو لجان الائتلاف من محاسبة أعضاء كانوا في الائتلاف ثم اصبحوا رجال دولة كبار يمتلكون الصلاحيات القانونية الهائلة والأموال الطائلة وجيش من المسلحين والموظفين.
ويجب ان لا يتصور البعض بان هذه مشكلة جديدة وخاصة بالائتلاف والعراق، بل هي مشكلة معروفة في الأنظمة التي انبثقت من حزب أو مجموعة أحزاب، حيث يبقى الصراع دائراً بين كبار رجال الحزب (أو الائتلاف) ومؤسساته القيادية وبين رجال السلطة (الذين هم بالأصل أيضاً من الحزب أو الائتلاف) ولكنهم اصبحوا مسؤولون ولديهم رجال وأموال وصلاحيات ويبدأون بالنظر لكل شيء من خلال منظار السلطة وليس من خلال أهداف الحزب ومنطلقاته، بل وأحياناً من حيث لا يشعرون يبدأون في شراء بعض قادة الحزب ومؤسساته بواسطة المناصب أو الامتيازات أو الأموال التي تحت تصرفهم.
أذن فمن يريد تطوير (الائتلاف العراقي الموحد) ليكون مشروعاً وطنياً شاملاً لا بُد له في البدء من معالجة أخطائه ونواقصه السابقة، بمعنى أن لا تأخذه العواطف والأماني في المرحلة الأولى من إعادة البناء فيغفل عن الأخطاء أو النواقص الكبرى في التجربة السابقة التي كانت اجتماعاتها الأولى أيضاً إيجابية وحماسية ومفرحة، ثم بعد الفوز نرى الصراع غير المحكوم بأية قيم حول منصب رئاسة الوزراء وحول الوزارات وتهبط أساليب إدارة الأزمة إلى التهديدات ونشر الغسيل والأوساخ على الملأ وفي العلن وحتى يصل إلى السلاح
وفي تقديري: إن أهم ما يساعدنا على تجاوز مشكلات التجربة السابقة ما يلي:
أ. أن تكون إدارة الملفات الأساسية للحكومة داخل قيادة الائتلاف وليس داخل الدولة.
ب. وضع الآليات القادرة فعلاً على محاسبة من يخرج على المواثيق والبرنامج والمقررات الأساسية في الملفات الاستراتيجية، المتفق عليها في (الائتلاف)، وبالتأكيد لم تكن ورقة الاستقالة الموقعة سلفاً هي الوسيلة الناجحة وفيها تبسيط مُخل للموضوع.
جـ. تقليل دور العوامل الخارجية.
وربما سنعود لتفصيل بعض هذه النقاط لاحقاً لأهميتها ولتوضيحها.
يتصاعد الحديث هذه الأيام وربما في فترات سابقة أيضاً عن (الائتلاف الوطني) بديلاً عن (الائتلاف الطائفي)، وكذلك الحديث عن استيعاب شخصيات وقوى وطنية ضمن مشروع (الائتلاف) إضافة إلى القوى السابقة الموجودة فيه.
بحسب فهمي البعض من أعداء (الائتلاف) عندما يتحدثون عن (الائتلاف الطائفي) فيقصدون (الائتلاف الشيعي الذي يقوده الإسلاميون).
لم يكن (الائتلاف العراقي الموحد) طائفياً (وفق المعنى الصحيح للطائفية) لا في تأسيسه ولا في مسيرته وممارساته وكل ما جرى في العراق يشير إلى ذلك.
وقد تحدثنا عن هذه النقطة في الصفحات السابقة ولا نحتاج إلى التكرار.
ولكننا نحتاج إلى الحديث عن الشخصيات والقوى الوطنية التي يمكن استيعابها في الائتلاف الجديد.
وهنا نؤكد على الضوابط الأساسية التالية:
1. أن يقوم الائتلاف العراقي الموحد باستيعاب الشخصيات والقوى الوطنية المناسبة، والمناسبة هنا تعني التي تقبل بخط وبرنامج ومواقف الائتلاف.
2. أن تكون تلك الشخصيات والقوى الوطنية معروفة لدى شعبنا بمعارضتها وجهادها ونضالها ضد نظام المجرم صدام البائد.
3. أن تكون مستقلة القرار والإرادة الوطنية ولا تعبّر عن أية إرادة خارجية دولية كانت أم إقليمية.
نعود إلى موضوع توسعة (الائتلاف) وتحويله إلى (ائتلاف وطني) بدلاً من (ائتلاف شيعي)؟! فنكرر أولاً ما قلناه من أن (الائتلاف العراقي الموحد) كان ائتلافاً وطنياً عراقياً وغر طائفي ليس لوجود اخوة سنة وقوى وشخصيات علمانية عراقية فيه (كما كان الحال في قائمة 169)، بل لان الشخصيات والقوى التي كوّنت الائتلاف آنذاك كانت قوى عراقية ملتزمة بالثوابت الوطنية المعروفة ولأن برنامجه السياسي وخطابه السياسي كان برنامجاً وخطاباً وطنياً.
وفي كل مفردات حركته السياسية عند تشكيل الحكومة وأدارة ملفات الدولة وحركة وزرائه في الوزارات العراقية وخدمة العراقيين ورسم البرنامج الحكومي وبناء التحالفات الوطنية وكتابة الدستور وعند اتخاذ المواقف تجاه الأحداث التي مر بها البلد وتجاه أزماته الكبرى وفي مجال السياسة الخارجية /إقليمياً ودولياً/ وفي غيرها من المفردات كانت مواقف (الائتلاف العراقي الموحد) ذات منطلقات وأهداف وسمات وطنية واضحة... ويُمكن إنجاز مراجعة شاملة وواعية لمواقف الائتلاف خلال السنوات الأربعة الماضية وستكون مليئة بالشواهد الدالة على ذلك ومع ذلك سيبقى الأعداء يدّعون بطائفية الائتلاف لغاية أخرى ليست لها صلة بالواقع وسيبقى الجهلة والأعداء يعتمدون المعايير التسطيحية (مثل وحدة الانتماء المذهبي) لاطراف الائتلاف كأدلة على الطائفية أو المذهبية، وهو معيار سطحي يكذبه الواقع ففي انتخابات قائمة 169 وقائمة 555 كان التنافس على اشده في الوسط والجنوب بين الائتلاف وبين قائمة اخرى ترأسها ايضاً شخصية من نفس المكون المذهبي.
ومع ذلك فلا بأس من التحرك وبقوة لجعل الائتلاف وطنياً وبعيداً عن الطائفية أو المذهبية.. .
المجموعات السياسيه المعروفه لكل منها برنامجها واهدافها ومواقفها الخاصة بها تجاه الملفات الاستراتيجية في البلاد، والتي تتعارض وتتناقض مع برامج واهداف ومواقف الائتلاف العراقي الموحد، اضافة إلى انها تفتقد إلى البُعد التأريخي والنفسي في تجربة العمل المشترك مع قوى الائتلاف ولكن بالامكان وضع قواعد تحالف مناسبة بعد اعلان نتائج الانتخابات مع تلك القوى في حال تم الاتفاق معها على البرنامج السياسي للحكومة المقبلة في عام 2010.
نعم اذا كانت بعض رموز ووجوه بعض هذه القوى ممن يُعرف بوطنيته ونزاهته واستقلاله عن التبعية لدوائر خارجية، ترغب دون شروط صعبه ومسبقة ان تكون ضمن قوائم الائتلاف فيُمكن دراسة ذلك وربما يُمكن ضم بعضها إلى الائتلاف العراقي الموحد.
ما نريد قوله إذا كان من غير المناسب وغير المفيد توسعة الائتلاف باتجاه استيعاب تلك القوى المعروفة المذكورة في النقطة السابقة، فالقوى الأخرى المتبقية هي في غالبيتها عبارة عن شخصيات عراقية يتجّمع من حولها بعض الأنصار أو بعض المستفيدين وهم في الغالب وبأستثناء بعض الشعارات التي يرفعونها يفتقدون البرامج السياسية بل ويفتقدون حتى منظومات الأفكار والقيم التي تؤسس عادة عليها الأحزاب والحركات والتجمعات.
ومع كل ذلك لا يمنع من استيعاب العناصر الصالحة منها، ولكن كما ذكرنا دون دفع ضريبة عالية للاستيعاب يؤدي إلى خسارة الائتلاف لقوى فاعلة فيه او خسارته لمبادئه وسياساته واهدافه الاستراتيجية.
وبكلمة اكثر وضوحاً:
ان عوامل وظروف وسياقات متعددة ومعقدة امتدت لعقود من الزمن، أدت إلى تبلور وانبثاق تيارات وكتل وأحزاب وحركات سياسية معروفة في الساحة العراقية، ومن البساطة بمكان افتراض قدرة شعار مثل (الائتلاف الوطني) ان يغير كثيراً من طبيعة وبرامج وأهداف وأفكار تلك التيارات والحركات.
خاصة وان مفاهيم وقيم مثل (الوطنية) و( المواطنة) هي لا تزال أهداف نسعى لتحقيقها في الوضع الراهن، وليست هي واقعاً قائماً وذلك بسبب الظروف الشاذة التي سادت بين 1968 و 2003 وكذلك بسبب المعادلة الظالمة التي صاغت القوى الاستعمارية القديمة، العراق ونظامه السياسي وفقها منذ اكثر من ثمانين سنة. ويُضاف إلى ذلك إن كل واحد من تلك التيارات والقوى السياسية نسجت في محيطها ومن حولها شبكة مصالح ومراكز قوى، ليس من السهل وأحياناً لا يسمح الواقع بنقضها أو بتغييرها.
نحن في داخل الائتلاف العراقي الموحد وبالرغم من منظومة القيم والمبادئ والتوجّهات الاستراتيجية التي كانت ولا تزال تجمعنا، كان الاختلاف يصل احياناً إلى أقصى درجة ويؤدي إلى الافتراق والتصادم في الميدان بسبب تضارب المصالح الخاصة بكل طرف من اطراف الائتلاف. فكيف إذا جمع الائتلاف اطرافاً لا تتناقض في المصالح فقط بل وتتناقض في القيم والمبادئ والتوجهات الاستراتيجية والتي تصل احياناً إلى ان ما يعتبره طرف عدواً له يعتبره الطرف الاخر صديق وحليف اذا كان البعض من رموز الائتلاف وبعد تجارب الحكم والدولة بدأ يشكو من (الديمقراطية التوافقية) لانها تشلّ حركة الحكومة ومحاسبة الوزراء، فليعلم بأن في أدخال قوى جديدة في الائتلاف لا تجتمع مع الاطراف المؤسسة في منظومة القيم والمبادئ والتوجهات الاستراتيجية، آثار سلبية معطّلة على حركة الحكومة اكثر من الديمقراطية التوافقية.
الخطاب يُمكن (بل يجب) ان يكون خطاباً وطنياً يعتمد على قيم المواطنة، ولكن هذا شيء وبناء ائتلاف سياسي قادر على ادارة الدولة وادارة الحياة السياسية شيء اخر، ولا بُد ان تكون كتلته منسجمة فكرياً ونفسياً وذات بناءً مرصوص يتحمل ثقل بناء الحكومة وأدارتها وأدارة أزماتها.
نكرر للأهمية: الترجمة الوحيدة الممكنة لرغبة بعض الاخوة لجعل الائتلاف (وطنياً) لا طائفياً هو استيعاب شخصيات وطنية مستقلة نزيهة بغض النظر إلى انتمائها المذهبي والسياسي ولكن دون أن يؤثر على المبادئ الأساسية والمصالح العليا والأهداف الاستراتيجية للائتلاف.
إذن ما نريد قوله هنا من خلال هذا الاستعراض لبعض الأحداث والتجارب خلال السنوات الثلاث الأخيرة الماضية، هو اهمية استخلاص الدروس والعِبرَ من مجمل تلك الأحداث لمراعاتها في بناء الائتلاف العراقي الوطني الموحد (الجديد) لتجنّب الأخطاء والأزمات، ومن بعض تلك الدروس والعِبرَ:
أ. تجنب إعطاء حصة لطرف واحد او لطرفين متقاربين فيما بينها بشكل كبير، بحيث تمكّن تلك الحصة الكبيرة ذلك الطرف او الطرفين من (شلّ) او (التحكّم بـ) او (أبتزاز) الائتلاف خاصة في الفترات الحرجة او الأزمات.
ب. تجنب إعطاء حصص كبيرة او ليس بالصغيرة لجهات لا تشترك في الواقع مع باقي أطراف الائتلاف في الكثير من الرؤى والمواقف الأساسية (الدستور والتحالفات وحدود المركزية... وغيرها).
جـ. تجنّب إعطاء حصص غير قليلة لأشخاص لا يمتلكون قاعدة شعبية واسعة ولا يتمكنون من التحكم باتباعهم المرشحين للبرلمان عند وقت الأزمات.
في تجربة توزيع الحصص في قائمة (555) اتضح فيما بعد، ان البعض كان يتحرك في سياسة تقسيم الحصص بلحاظ تكوين اغلبية داخل الائتلاف تدعم انتخابة لموقع حكومي كبير.
وهذه حالة خطيرة تعني ان الحسابات الشخصية او الفئوية تكون هي الاساس في تركيبة الائتلاف بدلاً من حسابات المصالح العامة العليا للعراق والعراقيين.
من الناحية النظرية، يُفترض ان تكون معايير تقسيم الحصص على أطراف الائتلاف واضحة ومعروفة، نقول من الناحية النظرية على الأقل، لان الاتفاق على تلك المعايير العلمية شيء والالتزام بها شيء آخر.
على أية حال، أهم تلك المعايير حسب عقيدتي هي:
أ. عدد الكوادر السياسية والإدارية والقيادات الاجتماعية التي يملكها الطرف (أي طرف من أطراف الائتلاف) ودرجة القدرة على التحكّم بتلك الكوادر والقدرة على توظيفها في خدمة أهداف وبرامج (الائتلاف) و (الحكومة)، فأمتلاك الكوادر وحده لا يكفي.
ب. سعة القاعدة الشعبية التي يملكها الطرف ومدى القدرة على التحكم بتلك القاعدة الشعبية والتأثير فيها وتوظيفها لخدمة أهداف وبرامج (الائتلاف) و (الحكومة).
جـ. درجة الالتزام بالمنطلقات والمبادئ والأهداف والبرامج والسياسات الخاصة بالائتلاف العراقي الموحد.
د. درجة امتلاك الإرادة الوطنية المستقلة في تكوين الرؤى واتخاذ المواقف.
وفيما يخص معايير انتخاب الوزراء ورئيس الوزراء والمواقع العُليـا في الدولة (في مجلس الرئاسة وفي رئاسة البرلمان وغيرها)، نذكرها من الناحية النظرية مع علمنا بأن هناك عوامل اخرى تلعب دوراً مؤثراً في الرأي النهائي لانتخاب تلك المواقع، ولكن كما ذكرنا قبل قليل الاتفاق على صحة هذه المعايير شيء والالتزام بها شيء آخر.
ومن اهم الصفات التي يجب ان تتوفر في المرشحين لتلك المواقع:
أ. التقوى (الخوف من الله) او العدالة (عدم ارتكاب الكبائر وعدم الاصرار على الصغائر)، لا يسرق ولا يهدر المال العام – لا يوفر لنفسه حياة الترف والقصور بينما غالبية الناس يعيشون الفقر – لا يتكبر ولا يطغى على الناس من خلال المنصب – لا يكذب في التقارير والمواقف حرصاً على مصلحة شخصية او فئوية – لا يخون الامانة – لا يتبع الأعـداء والأجانـب على حسـاب الوطن والمواطنين – يبذل كل ما بوسعه لأداء المسؤولية ... الخ.
والحرص كل الحرص على خدمة الفقراء والمحرومين وضحايا النظام الصدامي وتحسين أوضاعهم.
ب. الكفاءة: الكفاءة في مجال عمله وحسب الوزارة أو الموقع الرسمي، وتزداد وتتنوعّ مصاديق أو مجالات الكفاءة بحسب أهمية وعلو مسؤوليته وموقعه، فرئاسة الوزراء أو رئاسة الدولة أو نيابتها و رئاسة البرلمان ونوابها تضيف أنواع أخرى من الكفاءة المطلوب توفرها مثل:
- القدرة على إدارة الأزمات.
- القدرة على إدارة الملفات ذات العلاقة (الملف الأمني والاقتصادي والاجتماعي... الخ).
- وحكمة التعامل مع قوى وشرائح المجتمع وقواه السياسية...
- وسعة الأفق الثقافي وعمقه.
- امتلاك رؤية شاملة عن إدارة الحكم وإدارة مشكلاته وأزماته.
- أمتلاك الوعي اللازم لفهم حقيقة ما يجري في العالم وفي المنطقة، خاصة لما يرتبط مباشرة او بشكل غير مباشر بالعراق.
- المقبولية المناسبة من قاعدة الائتلاف الشعبية ومن أطراف الائتلاف وكذلك من مكونات المجتمع العراقي والقوى الوطنية العراقية الأخرى.
بداية جديدة للائتلاف
- يُمكن أن يكون إقبال البعض على (الائتلاف) بمثابة توفير ضمانات لازمة للحصول على مواقع وحصص كبيرة في الحكومة القادمة (مجلس وزراء ومجلس النواب).
- ويُمكن أن يكون البعض خائفاً من نتائج فاضحة في الانتخابات القادمة، فيما لو نزل لوحده في ساحة التنافس الأنتخابي، كما حصل للبعض.
- ويُمكن أن يكون عدم حصول البعض على (حصص مناسبة) ضمن قوائم أخرى، يؤدي الى طلب عودته أو أنضمامه الى (الائتلاف).
- ويُمكن أن تكون هناك دوافع أخرى مصلحية أو غير مبدئية ...
في عالم السياسة وصراع المصالح السياسية كل تلك الاحتمالات السابقة الذكر واردة، وان كانت غالباً ما تتغلّف بشعارات ومقولات فكرية ودينية واجتماعية ... وسياسية.
وعلى (بُناة الائتلاف) قبول ذلك البعض ضمن صفوفه حتى ولو عَرِفوا حقيقة دوافعهم اذا توفرت الصفات أو الشروط الاخرى المطلوبة فيهم ..
إلا أن ما نريد قوله هنا هو ما يلي:
في هذه المرحلة الهامة والخطيرة جداً وبعد تجارب أكثر من ستة سنوات في الحكم وأدارة شؤون البلاد لابُد لـ(بُناة الائتلاف) من أمتلاك حزمة منطلقات ومبادئ ودوافع وبرامج (تدفعهم لأعادة بناء الائتلاف العراقي الوطني الموحد) أرقى وأنضج بكثير من تلك الدوافع المرتبطة بالسعي للحصول على عناوين أو مواقع أو حصص جيدة لشخصيات أو لقوى معينة، مع مشروعية بعض تلك الدوافع.
بدلاً من أن ينشغل بُناة الائتلاف الجديد بالنقاش او التصريحات بكون الائتلاف وطني وليس طائفي وهو فخ دفعهم الأعداء للوقوع به أو هو تعبير عن قراءة خاطئة لتجربة السنوات الماضية ولتحديات السنوات القادمة، لابُد أن ينشغلوا بقضايا اكثر أهمية وذات أولوية.
بُناة الائتلاف الجديد يجب أن يحرصوا على ما يلي:
أولاً – أن لا يدخل إلى مؤسسات القرار في الائتلاف عنصر غريب أو معادي وإن حمل هويتنا العقائدية والمذهبية (في الظاهر) لأن خصوصيات وأسرار حواراتهم ستصل الى الدوائر المعادية أو غير الصديقة.
ثانياً – ان تكون للائتلاف هوية فكرية عقائدية حضارية واضحة (حتى وان أنقسم بعض الناس حولها) فالأنبياء والأئمة عليهم السلام والمصلحين دائماً كانت لهم هويتهم الفكرية والعقائدية التي لا يرضى كل الناس بها والدور الحقيقي للائتلاف ليس فقط تقديم رجال حكم مخلصين يسعون لخدمة الناس وينهضون بأعباء الدولة ... فهذا الأمر يجعل من الطبيعي أن يتساءل الناس لماذا الائتلاف وليس (أي حزب آخر) أو أية شخصيات أخرى؟ خاصة وان (الحزب الآخر) أو الشخصيات الاخرى قد تملك من الدعم السياسي والأعلامي الدولي ما يجعلها تبدو وكأنها البضاعة الأكثر رواجاً.
ما يميز الائتلاف ورجاله (ونسائه) هو الهوية العقائدية التي يحملها ومنظومة القيم والأهداف والبرامج والسياسات والقدوات النابعة من تلك الهوية، والتي يجب أن تكون نفس الهوية التي يحملها الملايين من أبناء العراق.
التخلّي عن الهوية العقائدية بدعوى متطلبات الخطاب الوطني الوحدوي، هو خطأ كبير ويُعيدنا الى المربع الاول (الذي عشناه قبل اكثر من نصف قرن من الزمان) ويعيد المسيرة الاسلامية العراقية (بشقيّها المرجعي والحركي) الى مرحلة بدايات التحرك السياسي المعاصر في العراق.
الذي يميّزنا (أي يميز الائتلاف) عن الآخرين، ليس أننا نوفر كهرباء وماء وخدمات وغذاء اكثر للمواطنين العراقيين (وان كان كل ذلك مطلوباً بل وواجباً ملحّاً في أعناق المسؤولين الذين يختارهم الائتلاف لمواقع الدولة)، يجب أن لا ننسى أن نظام صدام المعدوم كان يوفر للعراقيين (في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي) الخدمات والغذاء والأمان والرفاه لغالبية الشعب العراقي بدرجة افضل مما نوفره نحن الآن، ومع ذلك كنا نعارضه ونحاربه ونسعى لأسقاطه لأنه كان عدواً للشعب ولقواه الوطنيه وعدواً للدين والمذهب وللعراقيين الملتزمين دينياً ومذهبياً ويعرض أستقلال الوطن وحرية الشعب والسيادة الوطنية الى الخطر وينتهك حقوق الانسان ويحارب شعائر الله ويقتل علماء الدين ودعاته وعلماء الوطن وتكنوقراطه ويسعى الى تدمير منظومة القيم الدينية والخيّرة في المجتمع العراقي، وكان يمثل عقبه كؤوده أمام حركتنا لبناء المواطن العراقي الملتزم وبناء المجتمع العراقي الذي يحترم قيم الدين وحدوده وكل القيم الأنسانية الخيّرة وأقامه الدولة العراقية العادلة على أساس قيم السماء.
هذا ما كان يميّز حركتنا وهذا ما يجب أن يميّز (الائتلاف العراقي الوطني الموحد) في هذه المرحلة، وهذه هي البضاعة الأنتخابية التي يُمكن أن نمتلكها نحن ولا يتمكن الآخرون من أمتلاكها وحملها.
وهي نفس البضاعة الثمينة التي ترغب بها الملايين من أبناء قاعدتنا الشعبية.. الهوية العقائدية هي التي تُعيد العراق والعراقيين الى مسيرتهم التأريخية الطويلة التي ستنتهي انشاء الله الى ذروتها المتمثّلة بظهور قائم آل محمد عليه السلام، وهذا هو الطريق الوحيد لضمان نصرة الله لنا.
بعض المجتمعات الخليجية العربية أفضل مثال على المجتمعات التي سعت للرفاه دون أية هوية حضارية ويُمكن دراسة البؤس الروحي والخواء الحضاري الذي تمتاز به تلك المجتمعات المجاورة لنا.
اذا لم يحمل (الائتلاف) ويُعلن هويته الأسلامية النابعة من مدرسة أئمة أهل البيت عليهم السلام، فلا قيمة سياسية حقيقية له ولا ميزة هامة له تميّزه عن باقي المجموعات السياسية وسيكون مقصداً لطلاب السلطة وطلاب المصالح المادية الدنيوية ... وهو أمرٌ لا يستحق كل تلك التضحيات التي قدمها ولا يزال يقدمها الخيرين والوطنيين وفي مقدمتهم أتباع اهل البيت في العراق.
على بُناة الائتلاف الأعزاء: أن يحسموا رؤى ومواقف (الائتلاف العراقي الوطني الموحد) في عدد من الملفات الأساسية الهامة للمرحلة القادمة، وفي مقدمتها:
الملف الأمني: بمعنى كيف نوفر الأمن والأمان المستقر والمتزايد بمرور الزمن والقضاء على الأرهاب والإرهابيين والاختراق المعادي والبؤر الإرهابية والمناطق الحاضنة لها ومنابع التمويل والتعبئة والدعم والقيادات المساندة لها في الداخل والخارج وبناء القدرات الوطنية المستقلة البعيدة عن نفوذ سفارات الدول الكبرى ودول الجوار والمنطقة.
الملف الإداري: أي رؤية الائتلاف وموقفه من الجهاز الحكومي القائم والموروث من العهود السابقة والمشلول عملياً بسبب مافيات الفساد الإداري والاختراق المعادي وضعف هيبة الدولة والقانون وهيمنة بقايا النظام البائد والرافضين للنظام السياسي الجديد وعدم كفاءة الكثير من المسؤولين وعدم أنضباط اكثر الموظفين بقواعد السلوك الوظيفي وغياب سياسات التنمية والإنتاج الصحيحة وأستهلاك الميزانيات في المجالات غير المنتجة ... الخ.
ما هي رؤية الائتلاف تجاه إعادة بناء الجهاز الإداري الحكومي أو بناء الأجهزة الإدارية الثورية الموازية للجهاز الإداري الفاسد والمشلول عملياً، للتمكن من تنفيذ البرنامج الحكومي للحكومة المقبلة. وهو ملف لا يقل أهمية عن ملف الأمن ومكافحة الأرهاب، فتجربة ستة سنوات يجب أن تكون كافية لمعرفة كم يُمكن الاعتماد على الجهاز الإداري الحكومي القائم؟
ملف توفير الخدمات للمواطنين: فما تعيشه الغالبية من أبناء شعبنا في مجال الخدمات المقدمة لها من قبل الحكومة، هو بمثابة الكارثة أو المأساة المستمرة.
فالخدمات في مجال توفر الكهرباء والماء الصالح للشرب والغذاء الصحي والبيئة النظيفة والخدمات الطبيعة والدوائية ورعاية شؤون الفقراء والأيتام والأرامل (وما أكثرهم) والسكن المناسب وخدمات النقل الداخلي ورعاية العاطلين عن العمل وخدمة ضحايا النظام السابق (وما أكثرهم) واعادة الحقوق التي أغتصبها النظام المجرم البائد الى أصحابها ... الخ.
هذه المجالات فيها تأخر وغبن وفشل كبير بالرغم من الأمكانات المادية الجيدة التي يملكها العراق وبالرغم من جهود طيبة وتضحيات عظيمة قدمها بعض المسؤولين في الحكومة الحالية.
لابُد من أن يضع (الائتلاف) رؤى علمية وواقعية وناجحة لمعالجة كل نواقص وأخطاء البرنامج الحكومي السابق في هذا المجال، ليس بمنطق الفعل ورد الفعل ولا بمنهج الشعارات الكبيرة أو الاهتمامات الموسمية في مواسم الانتخابات، بل بمنهج بناء الأجهزة القادرة على تقديم الخدمات الضرورية الجيدة للمواطنين في كل أنحاء الوطن، وبمنهج وضع سياسات عامة أستراتيجية لعدة سنوات (لنقل لأربعة سنوات هي عمر الحكومة الدستورية الثانية القادمة).
للأسف الشديد أغلب قادة الائتلاف ورموزه (وهكذا باقي الكتل السياسية) يعيشون في عالم خاص لا يشعرون فيه بالكثير مما يعانيه الفقراء من أبناء العراق.
ما يهمنا هنا في هذا الملف هو وجود خطوط كلية يجب ان يتـفق عليها بُناة الائتلاف لأنه ربما تختلف حول بعضها بعض الشخصيات والقوى (من قبل النظريات الاقتصادية التي يؤمن بها ومدى أتفاقهم حول حجم وطبيعة دور الدولة في حل تلك المشكلات ومن قبيل أهمية نبذة قادة الائتلاف ورموزه لبعض مصاديق حياة الترف وغيرها).
ملف السياسة الخارجية: وهو أحد أهم وأخطر الملفات، نحن نعتقد بأنه لا توجد رؤية للائتلاف في هذا الملف، وما يتحرك به قادة ورموز الائتلاف (بعناوينهم الائتلافية أو بعناوينهم الحكومية) في مجال السياسة الخارجية العراقية، هو تعبير عن أحد الاحتمالات التالية:
أ. أستصحاب نفس المواقف السابقة لقوى الائتلاف عندما كانت في جبهة المعارضة (كل قوة على حدة) تجاه الدول الكبرى والدول المجاورة والدول الأخرى، وبحسب مصالحها الفئوية.
ب. رد الفعل تجاه فعل صادر عن دوائر سياسية دولية وأقليمية.
جـ. تكرار مواقف الدولة، وفي الواقع الجزء الأكبر من السياسة الخارجية تحدده وزارة الخارجية بطاقمها المعروف، وأحياناً تتضارب تلك السياسة مع سياسات خاصة بمواقع سيادية اخرى.
د. الخضوع لضغوط دولية أو أقليمية آنية بسبب حدث ما، وهو ما يحدث في الانعطافة غير المنضبطة (خاصة في التصريحات) تجاه بعض الدول العربية للانفتاح والألحاح على تبادل العلاقات, والذي يعبر عنه أستجابة بعض الحكومات العربية لضغوط امريكية للعب دور في مواجهة دور طرف أقليمي اخر اكثر من تعبيره عن سياسة دبلوماسية عراقية رسمية.
إذا كانت طبيعة المرحلة السابقة (مرحلة السنوات الست الماضية) سمحت بأن يتحرك كل طرف من أطراف الائتلاف العراقي الموحد بناءً على رؤيته ومصالحه الخاصة أو بناء على رؤيته هو وتقديره للمصلحة العامة للبلد، فأن تحديات المرحلة القادمة لا تسمح بذلك.
لقد أستفادت دوائر أمنية وسياسية دولية هامة من ظاهرة أتصال كل طرف من أطراف الائتلاف بها على حده في الحصول على مكاسب اكبر لها وفي فرض رؤى ومواقف على الحكومة العراقية وتتفاوت المواقف لأطراف الائتلاف من بعض الدوائر السياسية والأمنية الخليجية العربية من التقارب الكبير إلى درجة الانفتاح الكامل على أجهزتها السياسية والأمنية وأحياناًَ اخذ الدعم المادي منها إلى ضبابية أو سلبية الموقف العام منها.
ملف المصالحة الوطنية: فبالرغم من أن مشروع المصالحة الوطنية وانبثاق وزارة الدولة لشؤون الحوار الوطني، كانا نتيجة تفاهمات سياسية بين قيادات الكتل السياسية الفائزة في انتخابات مجلس النواب (عام 2006)، الا أن هذا الملف الهام والحساس أصبح مثار جدل واختلاف ساخن حتى بين رموز وقوى الائتلاف العراقي الموحد حتى وصل الامر (خاصة خلال موسم أنتخابات مجالس المحافظات) الى مستوى التنابز والأتهامات غير المناسبة. لذا فالأتفاق على شرح معاني هذا الملف وبيان خطوطه الحمراء والخطوط والمواقف الأساسية المتفق عليها، من القضايا المطلوبة من قوى الائتلاف قبل اعادة بنائه.