يبدو ان العبارة الشهيرة التي تقول إن التاريخ يعيد نفسه صحيحة الى حد كبير ،و ان الجبهة التركمانية قد أعادتها بصورة أكثر قبحا ورداءة وهي تثبت هذه المقولة قولاً وفعلاً .ولكن لم يكن متوقعا من التا ريخ أن يعيد نفسه بهذه السرعة ومع الشخص نفسه الذي رشحته الجبهة التركمانية عن مدينة كركوك السيد(أرشد الصالحي) ابن المختار القديم لمحلتنا (المصلى) في كركوك وشقيق المرحوم "رشدي " الذي أًَ عدم على يد جلاوزة النظام البعثي عام 1980مع نخبة من زملائه الطورانيين،فبدخول السيد "أرشد"مع القائمة الممثلة للبعثين (القائمة العراقية)والتي تضم لفيفا من (الرفاق) البعثين الذين يمثلون ويمجدون الماضي الدموي المظلم للنظام السابق تكون الجبهة التركمانية قد أعادت وبسبق الاصرار صفحة مؤلمة من صفحات تاريخ التركمان مع الغدر البعثي الذي أستغل نقظة ضعف ودراية ورؤية التركمان وتوظيفها في خدمة مصالحها الخبيثة واستغلالها في ضرب تطلعات الشعب الكوردي والتأمر على طلائعها السياسية فنفس مايحدث مع السيد " أرشد " الأن قد حدث أيضاَ مع شقيقه المعدوم "رشدي " سابقا عند ما رشح من قبل الاتحاد الوطني لطلبة العراق ( أحد التنظيمات البعثية) في انتخابات سكرتارية الطلبة في اعدادية المصلى للبنين عام 1971 وكان ترشيحه ضمن تلك القائمة هو لضمان فوز القائمة البعثية على منافستها اتحاد طلبة كوردستان العراق على منصب تلك السكرتارية ، اذ أيقن البعثيون بأنهم سيظمنون أصوات الطلبة التركمان في تلك الانتخابات بأستخدام اسم شخص تركماني له تطلعات تركمانية قومية معروفة و لقلة أعداد الطلبة العرب والبعثين في تلك الاعدادية .وبالطبع لم يكن المرحوم "رشدي "عندما تحمس لخوض تلك الانتخابات الطلابية نيابة وخدمة للبعثين مؤمناً بمبادئ وأهداف حزب البعث العربي الاشتراكي القائم على السلطة حينذاك ،ولكن تطابق الرؤى والمصالح الأنية لكلا الطرفين ،التركمان المتجسد بتلك الشخصية القومية والسلطة البعثية المهيمنة على مدينة كركوك والتي كانت في آوج قوتها وغطرستها قد دفعت التركمان والبعثيين للوقوف معا والعمل جنبا الى جنب للفضاء على اية واجهة كوردية في المدينة يمكن ان تمثل آمال وتطلعات الشعب الكوردي.وأنطوت الخد عة على التركمان الذين ظنوا بأن تحالفها مع السلطة البعثية والحقوق الأنية البسيطة التي منحت لهم في المجال الثقافي والاعلامي و تمكينهم التعلم بلغتهم الأم والسماح لتركيا بقتح مركز ثقافي لها في كركوك لتمكين التركمان من التردد عليها بيسر ، هي إنجازات قومية تركمانية هائلة وسيستمر النظام البعثي عليها الى ما لانهاية دون ان تنظر الى سلوكيات هذه السلطة أثناء تعاملها مع الشعب الكوردي وتعتبر منها، ودون ان تدرك بأن هذا السلوك المشين قد يطولها أيضاً عاجلا أم آجلا ويقلب لها ظهر المجن .ونتيجة لهذه الرؤية الضبابية للتركمان فقد تمادوا عن سكوت السلطة لهم وفتحها المجال الرحب لممارسة نشاطهم القومي العلني وتجاوزهم للحد الذي ينهي هذا السكوت الذي سوف تنهار بقوة فوق رؤؤسهم ومن ثم توجيه الضربة القوية لهم في أقرب مناسبة ممكنة،وجاءت المناسبة والفرصة الثمينة للسلطة البعثية في كبح جماح التركمان لدى زيارة رئيس الوزراء التركي حينذاك (سليمان ديمريل) لكركوك والاستقبال الملفت والمبالغ له من قبل التركمان وهم يرقصون امامه ويرددون له الأغنية التركية الشهيرة ( آغام سليمان..جانم سليمان..)يتقدمهم المرحوم المعدوم "رشدي"شقيق السيد ارشد الصالحي مرشح الجبهة التركمانية عن القائمة البعثية الحالية (العراقية) والذي استغل تلك المناسبة ليدس رسالة في جيب سليمان ديمريل يطالبه بأسم التركمان الضغط على الحكومة العراقية كي يمنحهم الحكم الذاتي على غرار الحكم الذاتي الموعودللكورد و أعتقد بأن ماضيه المشرف مع البعثين وتمثيله لهم في الانتخابات الطلابية وتحقيقه النصر فيها على المنافس والخصم الكوردي العنيد للسلطة قد يشفع له عند السلطات البعثية في حال انكشف أمره وتوفي بجزء من دينها على التركمان الذين وقفوا معه وشدوا من آزره آآ .
انكشف أمر المخدوع بأقوال وأفعال حزب البعث المعادي للتطلعات الكوردية وتبين له بأن ما قام به من تمثيل السلطة واحرازه النصر للقائمة الطلابية الانتخابية الممثلة لحزب البعث ماهو الإطعم صيد له ولكل تركماني يفكر ان يجعل من نفسه او من قوميته في مركز يعساوي ويعادل مركز آي عربي وبعثي بالذات وعليه ان بفهم بأنه ماهو إلا أداة ومطية بيد السلطة و عليه خدمتها دون مقابل او منية، وبدلا من ان يشفع له ماضيه وخدمته الجليلة للسلطة البعثية فقد إنقلب هذا الماضي الأليم عليه وعلى زملائه الاخرين رأسا على العقب إذ إن السلطة البعثية شرعت في حينها تشريعات قرقوشية جائرة تجيز لها إعدام آي شخص منتمي لحزب البعث حاضرا او سابقا وإنكشف إنتمائه الى حزب آخر غير حزب البعث فيعدم على فعلته تلك دون رأفة او شفقة،وبالنظر لكون المرحوم"رشدي" منتميا للاتحاد الوطني لطلبة العراق ومرشحها الرئيسي في الانتخابات الطلابية العديدة ولكون هذه المنظمة هي من أحد ى التشكيلات والتنظيمات العائدة للحزب لذا فأن من ينتمي اليها يعتبر بعثيا منتميا و ملزما ومؤمنا بمبادئ الحزب ،ووقع المرحوم "رشدي" في الفخ الذي وضع ونصب له بعد ان انتهى مفعوله ولم تعد السلطة بحاجة لخدماته ولتماديه في الخروج عن ماهو كان مألوفا للسلطة البعثية وأعتقل بعد حادث تلك الرسالة المدسوسة في جيب رئيس الوزراء التركي بسنوات قليلة ولفق له تهمة إنشاء حزب تركماني وهمي لم يكن اسمها او فكرتها تخطر ببال المرحوم"رشدي" ولم يكن يفكر بها او بغيرها من الافعال الكبيرة على حجمه وحجم قوميته غير ان تلفيق تلك التهمة والصاقها به كانت من أجل إسباغ صفة الشرعية على عملية الأعدام تلك وحلا للأشكالية المتأزمة التي اوقعتها مع الحكومة التركية التي حاولت التدخل لأطلاق سراح تلك المجموعة وكادت أن تحدث في حينها أزمة دبلوماسية بين البلدين وإبدالها من تهمة الرسالة المدسوسة في جيب الزائر التركي وارتباطهم بالسفارة التركية في بغداد بتهمة ملفقة ومبررة للأعدام.
لقد ترك هذا الرد العنيف والاسلوب الخسيس للنظام البعثي في الرد على جميل الخدمات التي قدمها التركمان لهم وما رافقتها من حملات الاعدام التي طالت هذه المجموعة من شبابها وما تلتها من حملات التصفيات التي طالت العديد من الشرائح التركمانية الاخرى جرحا عميقا في نفوس الكثير من التركمان وما زالوا يتذكرون تلك المشاهد الدامية بكثير من الحزن والأسى..وسيتذكرون بالطبع مأسي إعدام المرحوم"رشدي" عندما يرون صورة شقيقه المرشح للبرلمان العراقي المقبل "أرشد" الذي لم يكن يستطيع ان ينال هذه الشعبية التي يتمتع بها حاليا لولا حادثة اعدام شقيقه تلك. ويتألمون أكثر عندما يشاهدون اسم وصورة المرشح عن الجبهة التركمانية وهو يترشح عن القائمة البعثية ويعيد نفس التاريخ الذي سبق وان تورط وانخدع به شقيقه المعدوم ويرشح نفسه نائبا عن البعثين الذين سبق وان غدروا بشقيقه المعدوم،ويتسألون بأسف شديد عن الحكمة والمصلحة التي دفعت بهذه الجبهة التي تتدعي تمثيلها للمكون التركماني والمدافع القوي عن حقوقها الى التحالف مع البعثين الذين أعدموا الكثير من ابنائهم وحاربوهم في الكثير من أماكن تواجدهم وهدموا العديد من قراهم ونواحيهم التركمانية وشردوا وغيبوا الكثير منهم .
تتحجج الجبهة التركمانية وفي الكثير من المناسبات الرسمية وغير الرسمية بسر عدائها للشعب الكوردي وطلائعه السياسية بكون الكورد يريدون الحاق مدينة كركوك بأقليم كوردستان وبأنهم يمارسون سياسة تكريد المدينة عبر جلب العديد منهم وبأرقام وهمية تتفاوت حسب المزاج المتعكر لهذه الجبهة تزداد وتنقص حسب الجو الذي يسود مخيلتها المريضة فتارة يكون الرقم 88000 ،وتارة تنقص الى 66000،وتارة الى آخرى زيادة أو نقصان.الا ان تحالفها العلني هذه المرة مع البعثين ودخولها مع القائمة التي تمثل بقايا فلول هذا الحزب الدموي قد فضح زيف وكذب تلك الحجج الواهية وبطلان إدعأتها الزائفة بحق الشعب الكوردي وطلائعه السياسية،فالقائمة التي تود خدمتها وتروج لها هي الممثلة الحقيقية والعلنية للبعثين الذين أعدموا شقيق مرشحهم عن تلك القائمة وزملائه الاخرين ،وهي نفسها التي هدمت الفرى والنواحي والقصبات التركمانية وشردت آهاليها منهم وجلبت الأ لاف من العرب الوافدين الى كركوك وبأمتيازات تسيل اللعاب من أجل تعريبها ،وهي نفسها التي ألغت الدراسة التركمانية وإغتالت الثقافة التركمانية وضغطت عليهم لتبديل قوميتهم التركمانية،وبعد كل هذا الدمار والأهانة المزدرية من قبل البعثين كيف اذاُ تتحالف الجبهة مع هذه القائمة البعثية الدموية التي أجرمت بحق التركمان وهل غير هذا الحزب من منهاجه ونظرته للتركمان نحو الأحسن أم ان الكورد هم الذين قضوا بذلك؟
إن الجبهة التركمانية ومرشحها عن القائمة البعثية السيد"أرشد الصالحي"على يقين تام بأن نظرة هذه القائمة هي نفس النظرة البعثية السابقة التي كانت تنظر للتركمان سابقا بنظرة إزدرداء وخفية ،وماهم الا وسيلة وأداة في حملتها المقبلة ضد الشعب الكوردي ،وتعلم جيدا بأن أركان هذه القائمة ليس فقط لايعترقون بتركمانية كركوك بل سيقطعون لسان كل من ينكر "عروبة" هده المدينة ،وان هذه القائمة التي تطبل وتصفق لها في اعلامها كل يوم إمتداد للقائمة التي تحكم في مدينة الموصل والتي لا يتجراء فيها التركماني حتى المطالبة بعشر ما يتمتع به أقرانه في أربيل او كركوك،غير ان النظرة العدائية والشوفينية التي تحملها هذه القائمة على الشعب الكوردي قد أجبرت هذه الجبهة للدخول في تحالف معروفة نتائجها السلبية على التركمان ،وضربت عرض الحائط كل الألام والمأساة التي تحملها التركمان من نظام حزب البعث الدموي فقط لأن أهدافها تتطابق مع نفس الأهداف التي تتطلع اليها تلك القائمة حتى لو كان على حساب الدموع والجروح التركمانية.
في الموروث القصصي العربي هناك قصة تدور حول إمرأة تركت زوجها الكريم وتحولت الى غيره ظنا منها بأنه سينعم عليها بما يجود من النعيم غير إن الأيام والأحداث أثبتت عكس ما توقعته من ذلك الرجل فتندمت على عدم مقابلتها وقناعتها بالنعمة التي كانت تتمتع بها مع زوجها السابق بالشكر والأمتنان ،واعراض وإنكار منها لتلك النعمة ولم تجد يداَ مبسوطة بالكرم ولاوجها مشرقاَبالسرور ولامعاملة محفوفة بالعزاز والأكرام وتحسرت على ما فات عليها وضاع منها،لكنها لم تنحي باللأمة على غيرها وانما خاطبت نفسها تذكرها تفريطها وتبين لها سؤ تدبيرها فقالت" الصيف...ضيُعت اللبن"وذهب مثلا لكل من أضاع الفرصة وفرط بالنعمة وأساء تقدير من التجاء اليه طلبا لشهرة او مال.والجبهة التركمانية بالرغم من إنها لا تملك تاريخا يجود عليها بالفخر والاعتزاز غير انها أضاعت على من تشبث بذيلها ذلك الاعتبار الذي حظي بها من ماضي شخص قريب منه وانجر معها الى الهاوية التي سبق وان وقع بها شقيقه فأضاع عليه الجبهة التركمانية وعلى قومه ليس اللبن بل التاريخ الذي ورثه من شقيقه المغدور.
رازان كركوكي: كاتب وباحث في الشؤؤن التركمانية