شاكر النابلسي - 10/07/2010م - 11:31 م | عدد القراء: 181



 

كان بودنا – منذ ثلاثة أسابيع، ومنذ أن نشرنا مقالنا عن "تداعيات الجنس أزمة الجنس في العالم العربي" – أن لا ننقطع عن هذا الموضوع. ولكن وقعت ثلاث أحداث مهمة، كان لا فرار من الحديث عنها في وقتها، أجبرتنا على تأجيل متابعة الحديث في هذا الموضوع. الأول، نية سفينتي "مريم" و"العلي" للتوجه إلى غزة. والثاني، كلمة المفكر التنويري الليبرالي صادق العظم بخصوص ضرورة الإسلام. والثالث، رحيل نصر حامد أبو زيد المفاجئ.
واليوم، نتابع الكلام في هذا الموضوع. وسوف يلاحظ القارئ، بأننا لا نلتزم بمنهاج معين في الكتابة، عن هذا الموضوع المهم، والمؤثر، والفاعل، في الحياة العربية المعاصرة.

من الجنسي الديني إلى الجنس المدني
ربما، لاحظ كثير من القراء، أن الجنس، وشجونه، وشؤونه، وأحكامه، وشروطه، وكل ما يتعلق به، يأتي اليوم من منطلق ديني بحت، وخالص. فهكذا كان حال الجنس في القرن الثامن الميلادي في فجر الإسلام. أما قبل الإسلام، فقد كان الجنس مدنياً، ولا دين فيه؛ بمعنى أن الجنس، كان يخضع في كل ما يتعلق به لشروط مدنية، تاريخية، عرفية، وتراثية. وعندما جاء الإسلام، وجد أن من القوة، والعزة، وكضمان لانتشاره، وقبوله، والتسليم به من قبل الآخرين، أن يتدخل في المسألة الجنسية، وينظمها. وقام بتنظيمها بما يرضي العرب، ولا يضر بعاداتهم وأخلاقهم الجنسية، ومنها تشريع تعدد الزوجات، وزواج المتعة، وعدم مساواة المرأة بالرجل في الإرث، والشهادة التجارية.. الخ. وراعى الإسلام في الوقت نفسه الجانب الإنساني في الجنس، بحيث حفظ الكرامة الإنسانية للحاضرين، في القرن الثامن الميلادي، وللأجيال القادمة.

من الجنس الديني إلى الجنس الفقهي
ولكن، في نهاية العهد الراشدي، وفي العهدين الأموي والعباسي، ومع ازدياد الفتوحات في مصر، وبلاد الشام، وبلاد فارس، وسقوط الإمبراطورية البيزنطية، وزيادة عدد النساء السبايا، بشكل لا نملك معه إحصائية دقيقة، بحيث أصبح همُّ العربي البدوي الصحراوي الغازي، لبلاد الخضرة، والنعيم، والحضارة، والثروة، والنساء الجميلات، هو الحصول على أكبر كمية من المال، وأكبر عدد من النساء (كان التجار - كما يقول الطبري في تاريخه - يركضون وراء المحاربين لشراء الغنائم. وانظر: أحمد أمين في "فجر الإسلام"، و "ضُحى الإسلام"، و"ظُهر الإسلام".) اللائي أُطلق عليهن في نهاية القرن الثامن الميلادي "السبايا". ثم تحولن فيما بعد إلى "رقيق" في أسواق النخاسة العربية التي ظهرت بكثرة. ثم أصبحن "جواري"، و "قيان".. الخ. (سوف تقرأون تفصيل هذا التحوّل الدقيق في كتابي القادم "ثلاثة أجزاء" بعنوان: "الجنسانية العربية.. أركيولوجيا تاريخ الجسد العربي" الذي سيصدر في 2011) وكان هذا "الرقيق" سبباً رئيسياً في "فتق" المجتمع العربي، وفتحه، وتخليصه من بدويته الصحراوية الخشنة والقاسية، خاصة بعد انتقال الخلافة من المدينة المنورة الصحراوية، إلى دمشق الفيحاء الخضراء، ثم إلى بغداد (النعيم) بقرب دجلة والفرات.

 فحيث الماء، هناك الحضارة.
 ولا حضارة دون الماء.

كثرة النساء أربكت التنظيم الديني
كثرة النساء، واختلاف حضورهن، وجمالهن، ومهاراتهن، وكثرة أسواق بيعهن وشرائهن.. الخ. أربك التنظيم الديني الذي لم يحسب حساباً لهذه الظاهرة. وكانت التشريعات الدينية التي جاءت لنساء العرب في القرن الثامن الميلادي، في أوطانهن، وأصقاعهن الصحراوية، هي للنساء الحرائر بالدرجة الأولى، ولرفيعات النسب والحسب. وهنا تصدى الفقهاء لهذه الظاهرة التاريخية التحولية (النساء من غير الحرائر الصحراوية)، خاصة وأن الخلفاء، والأمراء، والحكام، والأثرياء، وعلية القوم، بدأوا باقتناء الكثير من هؤلاء النساء في قصورهم وبيوتهم.. خدماً، وجواري، وقيان، ومغنيات، وعازفات، وراقصات، ومنشدات للشعر، وخليلات، وجليسات، ومسليات، وقابلات للجماع، دون أية مسؤوليات اجتماعية أو مالية، تترتب فيما بعد على هذا الجماع، كما هو الحال في الزواج الديني. وعُرف هذا بنكاح المتعة؛ أي المتعة الجنسية من أجل المتعة والمؤانسة فقط، وليس من أجل إنجاب الأطفال. ثم عُرف كذلك بالتسرّي، ونساؤه بـ "السراري"، أي النساء اللائي يُنكحن سراً، بعيداً عن علم الزوجة، والأسرة، والمجتمع. وأصبح الجماع وممارسة الجنس مع مثل هؤلاء النسوة، أكثر متعة، وإقبالاً، وقبولاً، من ممارسته مع الزوجات الدينيات. وأصبحت "السراري" هن الزوجات المدنيات، إن أردتم هذا. وكان لا بُدَّ هنا، أن يتدخل الفقهاء ويضعوا الضوابط – بحدها الأدنى – لهذه العلاقات الجنسية. فتمَّ وضع بعض الضوابط التي التزمت بها العامة، ولم تلتزم بها الخاصة، من الخلفاء، والأمراء، والحكّام، وعلية القوم، أو تلزمها بإتباعها. وكان هؤلاء يحصلون على الفتاوى الدينية الملائمة والميسَّرة بالمال، وبالضغط السياسي السلطوي، وبالمصالح النفعية. ونحن نعلم قصة هارون الرشيد مع الإمام مالك، وقصة زوجته "زبيدة" كذلك. وتاريخ فقه النساء في العصرين الأموي والعباسي مليء بمثل هذه الحالات، التي أخرج فيها الفقهاء الجنس الديني، إلى الجنس المدني، ومدَّنوه، بعد أن كان دينياً خالصاً. وهم محقون في ذلك، في ظل التاريخ والمجتمع المتغيرين، والمتغايرين لما سبق من تاريخ ومجتمع.


الخروج إلى الجنس المدني
لقد أصاب العرب في الجزيرة العربية اليوم، ما أصابهم في نهاية العصر الراشدي وفي العهدين الأموي والعباسي من كثرة في المال، ودعة في الحياة، وقلة في النساء "الحرائر". لا قلتهن عدداً، ولكن منالاً، نتيجة لغلاء مهورهن، واشتراط النسب الرفيع. فلجأ أثرياء الجزيرة العربية الصحراوية، إلى حيث كثرة النساء، وأيسرهن منالاً، وأصغرهن سناً، وأرخصهن ثمناً، في مصر والمغرب، وربما في بعض بلاد الشام.

وكما كان الحال أثناء الفتح العسكري، للحصول على الغلة النسائية أو الغلال النسائي، أصبح الحال نفسه، ولكن بالفتح "الدولاري" للحصول على القيان والجواري. وقامت هناك من جديد أسواق للنخاسة، لها تجارها، ووكلاؤها، ووسطاؤها، وزبائنها، وأسعارها ( كان سعر الجارية الجميلة في القرنين الثامن والتاسع الميلاديين حوالي ألف دينار، واليوم لا يقل عن 10 آلاف دولار.) ولكن دون شروط رفعة النسب، وتكافؤ المستوى الاجتماعي، وتقارب سنين العمر، مما أراح المشترين، وأغراهم، ودفعهم بقوة وعطش شديد، إلى تلك الأسواق.

كان لا بُدَّ من تشريع لهذه النخاسة
ولكن، ظلت هناك مسألة لا بُدَّ من الالتفات إليها وحلها، وهي تشريع أسواق النخاسة هذه، بفتاوى دينية، تبيح البيع، والشراء، ومقدار الأثمان، وآلية إتمام الصفقات. ولا بُدَّ لدورٍ للفقهاء في هذه المناسبة المهمة.

فللفقهاء "قرص في كل عرس"، كما يقال.
 فصدرت الفتاوى الدينية المتتابعة. فقرأنا عن تشريعات "زواج المسيار/الإيثار"، و "زواج الاصطياف"، و "زواج الشتاء"، و "زواج الوناسة"، و "زواج البزنس"، و"زواج الفرندز" .. الخ. وستصدر مستقبلاً فتاوى جديدة من نوع آخر، لأنواع النكاح، والجماع، وآليات الجنس المدني المغطى بقشرة رقيقة من الجنس الديني، كلما تقدمت الحياة بالعرب، وكلما كثرت أموالهم، وقلَّت حرائرهم، لصعوبة المنال مالياً، ونسباً، وقلة المعروض من صغار السن. وكان هذا بابٌ جديدٌ للرزق والمنفعة المادية والاجتماعية، وربما السياسية، لكثير من الفقهاء، الذين أصبح بعضهم بفضل فتاوى ظاهرة النخاسة الجديدة، نجماً إعلامياً بارزاً، يضاهي في نجوميته أشهر نجوم "ستار أكاديمي".

الحياة الجديدة تفرض قيمها
وهكذا تفرض الحياة الجديدة قيمها على العرب. وتدعوهم دائماً – قدر ما يستطيعوا إلى ذلك سبيلاً – إلى إعادة النظر في قيمهم وشرائعهم. ولكن الأمل ألا يقتصر الأمر على أمور الجنس، وهي أضعف وأكثر الأمور ليناً، ويسراً، وتناولاً. ولكن الأمل أن يشمل ذلك باقي مناحي الحياة المختلفة.

السلام عليكم.



التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقعالتعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!




اسمك:
بريدك الإلكتروني:
البلد:
التعليق:
عدد الأحرف المتبقية: