بلغة الشارع، والشارع يعني الناس، فان ابرز عمل حققه السياسيون هو انهم جعلوا الناس يكرهونهم لأبعد مدى!. وكره العراقيين لحكامهم ـ بأستثناء عبد الكريم قاسم ـ حالة مشروعة، لأنهم انشغلوا بترفيه انفسهم وتركوهم بحالة تخلّف في بلد يمتلك كل مقومات التقدم والحياة الكريمة.. لكن ان يكره الناس سياسيين هم جاءوا بهم ليحكموهم.. فتلك حالة نادرة في التاريخ.
والذي يتقصى سيكولوجيا كراهية العراقيين يجد انها ناجمة عن تخوفهم من كارثتين: اخلاقية وسياسية. فالسياسي الذي قصد الناس قبيل الانتخابات يدعوهم لانتخابه، كان في وعده لهم بتحقيق ما ينتشلهم من واقع مؤلم..عملية اخلاقية تعني في عرفهم الاجتماعي " كلمة شرف" لكنه جعلهم خلف ظهره بعد أن "فوزّوه" ونكث وعده، وفي سلوكه هذا مخادعة، اي اظهار غير ما في النفس، والخادع ذئب محتال كما يرد في القاموس المحيط.
وهذا السياسي الذي صيّروه حاكما عليهم صار "بفضلهم" ينعم بالكهرباء فيما هم يتلظون بحرارة قيض ما شهدته بلدان افريقية!. وان تخذل من ائتمنك تعني في قيم العراقي..غدرا"..والغادر جبان. والانكى أن السياسيين الخضر ( نسبة لمكان سكناهم) انقسموا الى فرقاء، وتخندقوا كلّ يدعي أنه الأحق بحكم العراق.. تاركين ناس العراق موزعين في قرى أشبه بمستوطنات للأمراض والتخلف، ومدن لها منها الأسم فيما واقعها يعود لما قبل قرن،وأطفال يفتشون في القمامة عن لقمة خبز في بلد الخيرات، وخمسة ملايين في بقاع العالم يعانون الغربة والمذلّه.
وما يحز في النفوس ان السياسيين (الذين يفترض أن يكونوا قادة وقدوة) اوصلوا الناس الى أن ينعتوهم بصفات مخجله، اوجعها "عديمو ضمير" و" ماتت عدهم الغيرة العراقية"، واخطرها انهم اسسوا لديهم عملية اشراط بين السياسي وصفات رذيله. فكما يسيل لعابك حين تسمع كلمة "طرشي" أو " نومي حامض" فانه تأسست لدى العراقي عملية اقتران شرطي بين " السياسي" و: الفساد، النفاق، الغدر،.. وباختصار صار السياسي مكروها" اخلاقيا". والكارثة ان هذا الصنف من السياسيين اذا لم يتوقفوا عن هدم ما بقي من الاخلاق،فان جيل الأطفال والشباب سيرى في هذه الصفات القبيحة هي المطلوبة لمن يريد ان يكون سياسيا"..وهذا يعني ان مستقبل العراق سيحكمه من يمتلك هذه الصفات بتفوق!.
وسياسيا"، فان السياسيين اوصلوا الناس الى ان يترحموا على دكتاتور كان منشغلا" برفاهيته،ولسان حالهم يقول: وما يعوز رئيس جمهوريتنا ورئيس وزرائنا المنتخبان ديمقراطيا"من رفاهيه وهما يتقاضيان (150) مليون دينارا في الشهر ويسكنان، والحكومة والبرلمان وذو الشأن، في الجنة الخضراء..تاركيننا بأسوأ حال ..وكلّ منهم يقول انّه أحق بحكم العراق؟!.وليت فيما يختلفون عليه بصيص أمل ،اذا لصبر عليهم العراقيون سنة ثامنة لأنهم هم الذين جاءوا بهم!.. لكنهم متخندقون والكلّ (داك رجل!)..فكرّهوا الناس في نظام ديمقراطي هم ضحّوا من أجله..وتلك هي الكارثة السياسية..أن يفشل أو يطاح بالنظام الديمقراطي..ألا ترون أن ما حدث في البصرة ينذر بسيناريو شبيه بانتفاضة آذار 92..التي انطلقت شرارتها من البصرة الى الناصرية..وكادت أن تطيح بالنظام لولا تدخل أمريكا!!.
عذرا لكل السياسيين المخلصين لضمائرهم وأهلهم ووطنهم..وعسى ان ينتصح الباقون الذين تتحكم بهم عصابية :اذا لم أكن أنا..فعليّ وعلى أعدائي!.