في العام 1936 حدثت في اسبانيا اضطرابات تنذر باندلاع حرب اهلية زمن الدكتاتور فرانكو. وكأي وطني غيور على وطنه وحريص على أرواح شعبه، اعلن الفنان بيكاسو موقفه النبيل في ألبوم يحمل عنوان «حلم فرانكو وسقوطه» يحتوي على ثمانية عشر رسما «محفورا» بالمعدن تصور قسوة وعنف الحرب الأهلية. وحين ضربت مدينة الغورنيكا في نيسان (ابريل) عام 1937 بطائرات هتلر خدمة للجنرال فرانكو، كان قصفها بالنسبة الى بيكاسو اكثر من تهديد واعتداء على اسبانيا. كان يراه «عدوانا همجيا ضد الانسانية» التي وظّف فنّه للدفاع عنها. فهو لم يصور في الغورنيكا حادثة فردية تتعلق بقصف مدينة، بل احتجاجا على مستوى عالمي ضد فظائع الحرب وفواجعها التي جسدتها وجوه ملتوية وافواه فاغرة باللعنة وحصان يصهل من شدة الفزع، وامرأة تحمل طفلها الميت، وثانية شاردة من بيتها المشتعل نارا... وأخرى تستفزك وتثير حميتك في انفعال يجسد تعرضها للاضطهاد والعدوان بتخطيطات حادة كالسيف! ومن المفارقات أن بيكاسو كان يتصدر قائمة الفنانين الذين وصفهم هتلر بالانحطاط. وحين زاره مندوب هتلر في باريس وشاهد لوحة الغورنيكا، اندهش لما رأى فقال لبيكاسو: أهو أنت الذي صنعت ذلك؟ فأجابه على الفور: كلا بل أنتم الذين صنعتموه!
ومن اسبانيا ايضا رسم الفنان غويا لوحته الثورية (3 أيار/ مايو 1808) يصور فيها مذبحة حقيقية ارتكبها القائد الفرنسي مورات حين جوبه دخوله مدريد محتلاً بتظاهرات صاخبة في الشوارع، فأمر باعدام مئات من المتظاهرين الاسبان في 3 أيار (مايو)، سجّل فيها احتجاجه بلوحة عاطفية مثيرة، رسم فيها مشهد الاعدام ليلا يعكس منظره الفظيع ضوء مصباح على الضحية ودماء تلون الأرض بالأحمر القاني، مع أنه لم يكن يفهم ما يجري من حوله كونه كان يعاني من الصمم التام!
ما يثير التساؤل أن لدينا فنانين كباراً، والفن التشكيلي العراقي عبر الحدود العالمية، وان وطننا شهد أحداثا وفواجع في زمن الطاغية صدام أقسى وأكثر وأشمل من تلك التي ارتكبها سلفه الطاغية فرانكو. وأن عديد الضحايا في الاحتراب الطائفي بعد التغيير بلغ أكثر من مئة ضحية في اليوم الواحد وبأساليب قتل بشعة، مما يستوجب تسجيلها بأصدق الفنون تعبيرا وأبقاها زمنا. فالرسم على امتداد تاريخ الفن هو تعبير عن الأحداث التي وقعت للشعوب وتجسيد لوجدانها بدءاً من الفن البدائي وما يتضمنه من رموز وطلاسم ومجهول وسحر، الى تصوير الحضارات كما في الفن المصري الفرعوني والفن البابلي، فلولا تلك المنجزات لضاع الكثير من تاريخ العراق القديم وتاريخ الشعوب.
والمؤسف أن الأحزاب والكتل السياسية صارت تتسابق على تسمية شوارع المدن بأسماء شهدائها، تكون الغلبة فيها لمن يمتلك مقاعد أكثر في مجلس المحافظة، من دون أن ينتبهوا الى أن «فائز» اليوم هو «خاسر» غدا مما يعني استبدال أسماء الشوارع في عملية ديمقراطية مستمرة تولّد الكراهية، فضلا عن تجاهل شهداء ليس لهم ممثلون في الحكومات المحلية، مع أنهم حاضرون في ذاكرة الشعب!
ان لدينا أكثر من «غورنيكا» عراقية ومئات المشاهد من 3 أيار (مايو) عربية وكردية ينبغي على وزارة الثقافة وامانة بغداد ومجالس المحافظات توجيه دعوات الى الفنانين العراقيين في الداخل والخارج لتسجيل تاريخ العراق الحديث في نصب ولوحات هي الأصدق والأبلغ، ليس بهدف التذكير بفواجع العراقيين، بل بقصد ايصال رسالة يومية للأجيال المقبلة تدين الحروب وتدعو الى ثقافة السلام. فهل هم فاعلون؟!