أرجو من قراء المقالات وأهل الحكم من عناوينها، لضيق في النُّفوس وعلَّةٍ في التفكير، أن يصبروا عليَّ قبل الحكم في أن أكون صديقاً لأعوان المشدد في الدِّين والمذهب جهيمان العتيبي (أُعدم في العام 1979)، الذي احتل وستون من أتباعه الحرم المكي (تشرين الثاني 1979)، أو بالمقابل أن يحكم على المثقف السعودي ناصر الحزيمي، بأنه أقام صداقة مع يساري وشيعي، وهو العضو في «الجماعة السَّلفية المحتسبة»! وما في المعادلة من صعوبة.
لكن، كم تكون الدُّنيا متسعة والمذاهب والأَديان جامعة إذا نُقيت من عِصابها النُّفوس، وتجردت من مثالياتها، وخفضت أسوار الأيديولوجيات، ورُفعت المتاريس من أمام عمائر الأفكار، هذا ما فهمته من مراجعة الحزيمي، أنه كائن خُلق على المرونة لا على التَّعصب، فما له وكيان مثل السَّلفية المحتسبة!
قبل سنوات اقتنيت كتاباً خفيف الظِّل جزيل العبارة إنه كتاب «حرق الكتب في التُّراث العربي» لمؤلفه ناصر الحزيمي. وبعد فترة نبهني رئيس تحرير مجلة «المجلة» عادل الطُريفي إلى مقابلةٍ أجرتها مجلته مع أحد أتباع جهيمان، وأنا يهمني كثيراً أمر الحركات المهدوية، لدى المذاهب كافة.
قرأت المقابلة ثم شاهدتُ ما بث على شاشة قناة «العربية» مع الشَّخص نفسه، ولا أدري إذا ما كان الحزيمي هو الشاهد الأخير على الحركة، التي مرت قبل شهور ذكراها الثلاثون، سُجن خلالها الأخير، وشفع له أنه لم يقتحم الحرم مع المقتحمين، لأنه لم يكن يقتنع بالعنف سبيلاً، وغير مستوعب لقصة ظهور المهدي، لكنه لم يبلغ السُّلطات، مع معرفته بتوقيت الاقتحام، وأرى في موقفه هذا كرهاً للخيانة على تنوع أشكالها. سأوجل ما تحدث لي به الحزيمي بشأن جهيمان إلى مقال آخر، فهي قضية مهدوية ولها جوانب متشعبة، لا خلاف عميقاً حولها بين المذاهب، سوى المسميات.
بعد اللقاء بناصر الحزيمي تبددت لديَّ الشكوك في أن الرَّجل سرد قصته مع جهيمان بعد صحوة فكرية، أو بتأثير سنوات السِّجن، بل أحسب أن التَّبدل بهذا العمق لا يحدث إلا بوجود استعداد مبكر، وشكوك سابقة، تتراوح بين تردد وإقدام. وشخص مثل الحزيمي ليس لدَيه استعداد لإيذاء نملة، فكيف بقضية كبرى قد تذهب بأرواح المعتمرين والمصلين، ولا تجدها تؤدي إلى غرض ينفع الدِّين والبشرية، سوى التمرد بأدوات الماضي، وإذا فاتشتهم فيها، أجابوك أنها قضية إلهية، وليس لأحد الردّ على مسألة تُنسب إلى الله! هذا ما لم يتمكن ناصر الحزيمي من إدخاله إلى عقله، وأراه معتزلي المنطق، العقل قبل الإيمان بفكرة أو تبني لعقيدة، ولا تعني القراءة من نمط واحد، من الفكر، أنها تحصن القارئ من التشكيك ومناظرة النَّفس.
امتدت بيني وناصر الحزيمي صداقة، وهو القادم من مدينة الزُّبير، ويكاد يقترب زمن هجرتنا من العراق، لكن ماذا لو التقينا، من دون المرور بنكساتنا ومراجعة ثوابت عقائدنا! هل كان يُطيق مدحي لسجون الاشتراكية، على أنها لتأديب المنشقين! أو هل قَبلتُ منه فكرة حصر الدِّين والدُّنيا بوصايا السَّلف، مثلما ارتفع به جهيمان إلى حدِّ الثورة! لا أظن ذلك. فبسلفية أيضاً صرخ أحد شعرائنا اليساريين نادباً: «يا جهيمان حدق...»، من دون أن يعي ظلامية جهيمان!
ليكن ما بيني والحزيمي ما كان بين سُليمان الدَّخيل، السُنِّي تلميذ الآلوسي، وهبة الدِّين الشهرستاني، مع عدم وضع نفسي نداً لهبة الدِّين، الأول كان يدير مجلة العِلم والثاني يروج للرِّياض في العِلم الصادرة بالنَّجف 1910! فما أجمل الدَّخيل والشَّهرستاني، وما أبغض الطَّائفيين!