المتصفح لتاريخ هذا البلد العريق يجد أنه كان منذ الأزل بؤرة متقدة للصراعات الدموية المستمرة المتجددة، وللحروب والثورات وانعدام الاستقرار، على الرغم من نشوء عدد كبير من الحضارات الإنسانية المؤثرة في تاريخ البشرية جمعاء على أرضه، والتي كانت أول من عرف الخط المسماري، وقوانين (حمورابي)، والحدائق المعلقة، وانطلق من عاصمتها (أور) أبو الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام. فكانت مهد للحضارات البابلية، والأمورية، والأكدية، والسومرية، والأشورية، والكلدانية، والأكاشية، والسلوقية، والساسانية، والفرثيونية، وللعرب المسيحيين (المناذرة)، فيما عرف ببلاد (ما بين النهرين) الغنية بمواردها الطبيعية، والتي كانت تعد مطمعا للجميع.
وقد عانت تلك الحضارات من غزوات متعددة من القبائل البربرية القادمة من المرتفعات الشرقية والشمالية، كما كانت تعاني من محاذاتها للحضارة الفارسية من الشرق، والتي لم تبعدها يوما عن منظور أطماعها التوسعية. واندثرت حضارات عديدة، وقامت مكانها حضارات أخرى لتجعل من هذا الثرى خليطا مدهشا متعدد الأعراق والأجناس والمشارب، ولتكون أرض الرافدين منطقة صراع وأطماع وثورات وحروب ضروس على مدى التاريخ.
ودخل العراق في حدود الدولة الإسلامية، ومن منا لم يسمع عن هول ما كان يحدث هناك بين شعوب تلك الأرض المتعددة الأعراق والأهواء، وبين الولاة الإسلاميين عادلهم وظالمهم، وكيف كان للحجاج بن يوسف الثقفي طريقة شنيعة لتوطين البلاد، التي لم تكن لتستقر رغم أنهار الدماء التي سفكت في حينه، ورغم ما أخمد من ثورات. وكيف أن ثرى العراق كان مضرجا بدماء علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، الذي قال في تناقض أهلها وحيرتهم وفرقتهم ما لم يكتب في شعب قبلهم. وكيف سالت دماء الحسين، وأعداد كبيرة من الصحابة الأخيار في نهاية الحكم الراشدي، حتى عُد ثرى كربلاء بعد ذلك ومعابدها مرجعية للشيعة.
وانتقلت الولاية في العراق بعدها إلى الحكم الأموي ثم إلى العباسي فوق تلال من الجماجم. وكان دور (البرامكة) الفرس قويا في زعزعة زوايا الدولة، وكان للأكراد دورهم، قبل أن تهجم قبائل التتار على البلاد ويحتلوها على يد قائدهم المغولي (هولاكو خان). وتحولت العراق لأرض للسلب والنهب والقتل حتى جاء الحكم التركي العثماني، والذي لم يعرف الهدوء بدوره لكثرة الثورات والقلاقل ولدخول عرقية جديدة في الصراع.
ومرت البلاد بعد ذلك بفترة الاحتلال الإنجليزي، الذي لم يتمكن من إطباق القيد على كامل البلاد لكثرة ما كان يواجهه من حركات نضالية لم تهدءا كان أخرها ثورة العشرين، والتي انتهت بتكوين دولة مؤقتة تم بعدها انتخاب الملك (غازي) حاكما للبلاد. فلم يلبث أن ألغى الأحزاب وأعاد البلاد إلى حكم النار والحديد مجددا، فجدد الأكراد ثوراتهم في حينه. وتزعزعت الملكية ثم زالت، وأتى الحكم البعثي القاسي، الذي عشش على الأرض، ودفن معارضيه تحتها في مقابر جماعية بعد سحلهم.
ولم يزل الحكم البعثي إلا بمهرجان تحالف دولي لم يسبق له مثيل في التاريخ. ولكن هذه الأرض لم تهدءا من خوفها وقلقها وحيرتها حتى اليوم، لكونها مطمعا للجميع.
والمراقب يجد أن حالة العراق الراهنة تعد من أسوءا فترات التاريخ قديمه وحديثه. فهي مقسمة لمناطق كردية ومناطق عربية ومناطق فارسية، وهي مقسمة لمناطق سنية ومناطق شيعية ومناطق متعددة الأديان والمذاهب، وهي مقسمة لمناطق أمنة محمية بقوات التحالف، ومناطق خوف تعج بالإرهاب وتستقطبه، وهي مقسمة لمناطق فقر ومرض وتردي، ومناطق ترف وثراء. وهي مقسمة لمناطق ديمقراطية وأحزاب وإنتخابات، ومناطق رجعية منغلقة تحكمها عصابات الشوارع. وهي مقسمة لمناطق طاردة للعقول والشباب، ومناطق جذب للإرهابيين والعصابات.
إنها أرض العجب العجاب، أرض يمتد تأثير صراعاتها لجميع الدول من حولها، بل إنه يمتد لأكثر من ذلك بكثير.
ولا يظهر في المنظور القريب أنها ستهدءا. وإن حدث وهدأت فسيكون ذلك مجرد إستراحة محارب عنيف عنيد لن يلبث بعدها أن يعود بألف وجه ولون لجذوة النار والحديد. فلا حول ولا قوة إلا بالله.
drshaherus@yahoo.com