أمريكا ستنسحب من العراق، وأفغانستان ليس بمبدأ الهزيمة فقط، وإنما لأن الخسائر البشرية والمادية، وتذمر الشعب جاءت لتضغط على صاحب القرار، أن أمريكا لم يعد في قدرتها إدارة العالم، والتورط في مواقعه المتوترة، ثم إن الأزمة المادية التي فرضت نفسها اتخاذ قرارات صعبة، يعني اللجوء للدبلوماسية الناعمة، والدليل أن الدولة العظمى عطلت العديد من مشروعات الفضاء وإنتاج الأسلحة وتريد سحب الكثير من أساطيلها وتغيير مسار قواعدها العسكرية، في عالم أصبحت السيطرة على الدول الصغرى، أكثر كلفة مع الدول المتقدمة التي تسمح بعلاقات متساوية اقتصادياً وأمنياً..
في أفغانستان حكومة تعيش تحت ظل الطائفة والقبيلة، وهي لا تحكم إلا جزءاً من البلد، وحتى الحوار مع طالبان لا يأتي بدون شروط قد تقبلها الدولة وتعارضها بقية الطوائف والقبائل، وفي هذه الحال سيبقى الصراع مدعوماً بصعوبة تلاقي الفرقاء، وأمريكا التي أشارت إلى تقسيم أفغانستان عاشت المرارة والهزيمة، وعلى هذا الأساس لا يمكنها السير طويلاً في بحر السراب..
العراق، يجمعه مع الأفغان بعض التشابه قبلياً وطائفياً ومهجّرين في أنحاء العالم، وخلافاً على تشكيل حكومة تؤدي واجباتها لأن النزاع على كرسي رئاسة الوزراء، جاء كمأزق آخر يضاف إلى انعدام الأمن والخدمات ، وتناثر الجثث في كل مناسبة، وأمريكا التي أكلت الطُّعم عندما اعتقدت بأنها في احتلال العراق سترفع لها الرايات البيضاء ليكون مقدمةً لفرض هيمنتها على نفط الخليج العربي، والهيمنة على العالم من خلال الطاقة النفطية، فشلت لأن تقديراتها جاءت مخالفة للواقع، وهنا جاء التخلص من المأزق باتخاذ قرارات صعبة، حتى لو سُميت هزيمة، إذا كان ذلك يدفع عنها تكاليف حرب عبثية، إذ هي لا استطاعت بناء العراق على نمط ديمقراطي آمن، ولا قَبِل بها الشعب صديقاً أو حليفاً، وكذلك الأمر مع أفغانستان..
أمريكا جاءت للعراق بعقلية المستعمر القوي، وذهبت لأفغانستان لإيقاف الإرهاب، وفي كلا البلدين كابرت في البداية، ثم اقتنعت بالواقع الذي يدعوها للخروج من المأزقين، وهي الآن تستعد للجلاء، لكن ماذا يعني ذلك للشعبين إذا كانت الأمور لا تسير باتجاه سهولة سيطرة الدولتين العراق وأفغانستان على مقدرات شعبيهما؟
أصحاب الرأي بضرورة طرد المحتل بكل الوسائل على حق ؛ لأن سيادة دولة أجنبية على أخرى، هو إخلال بالكرامة الوطنية، وقتل لقيمها واستقلالها، أما الذين يتحدثون عن البديل الأمريكي كمعوّض عن دكتاتورية ظالمة في العراق، وهيمنة سلطة خارج التاريخ في أفغانستان، وبؤرة ولادة للإرهاب، فهم على حق أيضاً، إلا أننا نرى العكس، أي أن البلدين سيحدث فيهما فراغ كبير قد يجعل الحرب الأهلية محتملة، وفي هذه الدراما السوداء، فالانسحاب الأمريكي سيجرّ معه سلسلة طويلة من الأزمات إذا كان جيش البلدين عبارة عن مليشيات، وكذلك الأمن فيهما تابعاً للطوائف والقبائل وهي الحالة الصعبة جداً..