علاقات مذهلة لقادة العراق تتم في دول الجوار خارج أرض الرافدين. يتعانقون في الخارج ويتبارزون في الداخل. كغيري، كنتُ مشدوها من الصورة المخجلة التي جمعت بين الدكتور علاوي يتبادل القبلات بالأحضان مع الصدر في دولة البعث ".
في الخبر، كان علاوي قد بحث في دمشق الاثنين الماضي مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر قضية تشكيل الحكومة.
لم تكن المرة الأولى التي ركزتُ في مقالاتي السابقة على نقد تصرفات لتناقضات عراقية أو توجيه أنتقادات حادة الى دول الجوار : سوريا، أيران، تركيا، الكويت، السعودية، الأردن، ومصر لمواقف وتصرفات لاتخدم القضايا العربية والأسلامية أقلمياً أو دولياً، وأدت نتائجها الى توتر الأوضاع بدل أستقرارها لسنوات تعود الى القرن الماضي.
وقد تكون المرة الأولى التي أوجه فيها أنتقادات شديدة نتيجة خيبة أملي وأشمئزازي من رخص المساومات التي تجري في الخفاء والعلن بين متناقضي الفكر والعقيدة في دول الجوار التي تنكرت للعراق وأرسلت روافد وفرق القتل والخراب والتفجير. فلماذا تتم الأجتماعات بالأحضان في دول الجوار التي صدّرتْ الأرهاب أليه بشتى الصور؟ هل وصلت السياسة العراقية الى هذه الدرجة من الرخص لتجعل من حلِ أزماته قراراً لايصدر أِلا في دول الجوار المتربصة به؟
الأجتماعات والتصريحات لقادة سياسيين ودينيين وأحزاب وكتل وبرلمانيين لاتأتي بأي جديد لضمان أحترام المواطن العراقي ومصلحة العراق، والمشاورات الشكلية التي يجريها قادة العراق في ومع دول المنطقة وتنشر في وسائل الأعلام على شكل تصريحات، ليس لها طابع الألزام، وماهي أِلا صور فتوغرافية وتسقط على "أِ ذن من طين وأخرى من عجين." كما يقول المثل.
مَن مِن العراقيين يعتقد أن شخصية كشخصية علاوي، الذي أختلف مع صدام عقائدياً وسياسياً، سيتفق لتشكيل الحكومة مع شخصية مهزوزة سياسياً كالصدر؟ وكيف سيعلل المؤيدون في قواعد الحركة الصدرية والمناصرون العلمانيون في القائمة العراقية تصرفات قياداتهم في أتفاقياتهم الواهية في وقت يتربص الواحد للأخر لما بعد تشكيل الحكومة؟
أذا كان التطابق والتوافق في الأهداف الأساسية لخدمة العراق الذي يدعيه الصدر وعلاوي ويصرحون به علناً، فلماذا لاتتوحد الحركة الصدرية والقائمة العراقية في حزب واحد وراية واحدة وهدف وطني واحد؟ المغفل الساذج وحده قد يفهم أن العمل السياسي يتم وفق الخطوات المضحكة على طريقة (في الحُضن) والقُبل والتودد والتملق المصطنع لحين الوصول الى دفة الحكم ليبدأ بعدها الطعن بالخناجر السامة عندما تتعارض لاحقاً المصالح والأهداف المذهبية والعلمانية (كما حصل في سنوات العقم الماضية).
أيضاً، المغفل الساذج وحده قد يفهم أن علاج الحالة العراقية في ظل دولة الفساد يجب أن تتم في دول الجوار على الطريقة التي يحبذها قادة بعض الكتل والأحزاب العراقية وتباركها الدولة المُضيفة لأغراض. ومما يثير التقزز والأحتقار أن قادة هذه المصالحات النفعية الصورية المصطنعة يتناسون أنهم في بلدان باركت أعمال الأرهاب ومارسته ضد العراق وباركت أرسال المتسللين والأسلحة والمتفجرات لألحاق أقصى الأضرار بشعبه ومنشأته. هذه الدول كانت قد وجهت وسائل أعلامها ضد أطلاق الحريات والعمل بمبدأ الأنتخابات الحرة، لم ترفع يوماً مبدأ الحرية الفردية لشعبها ولا تنص دساتيرها على ألأيمان بالنظام الديمقراطي الأنتخابي الحر.
وقد يُخطئ من يظن أني لا أضع اللوم والنقد أولاً في مكانه، فالمسؤولية تقع أولاً في ذمة رجال الحكومات العراقية المتعاقبة وتصرفات وتصريحات زعامات حمقى، حفزت فيها دول على أبداء الرأي والتدخل المباشر في الأرادة العراقية الضائعة وأودت الى الضغينة والتأزم بين بلداننا الى يومنا الحالي، وهي لاتدرك غداً مافعلته أو صرحت به في الأمس، فالذي يلفظ بأسم العراق عليه أن يحترم أرادة شعبه وناخبيه ولا يتجاهل حقوق عراقية لدول الجوار قُدمت ومازالت تُقدم على طبق من ذهب، على شكل عهود وتنازلات وتسهيلات مقابل الحصول على تأييد رسمي ودعم أعلامي والحلول رسمياً في دور الضيافة فيها.
وصف الدكتور لطيف رشيد وزير الموارد المائية العراقي شحة المياه التي يعاني منها العراق في شط العرب من ارتفاع نسبة الملوحة بسبب مشاريع إيران التي قطعت عنه رافده بمياه الكارون والكرخة.
وقال أيضاً " لم تكن لدينا علاقات طبيعية مع دول الجوار حتى عام 2005. لكننا بدأنا بخطوات بدائية جدا مثل تبادل المعلومات والزيارات وتبادل النتائج الهيدرولوجية والجيولوجية ومعلومات عن المنشآت الموجودة، والآن وصلنا إلى مرحلة نريد إبرام اتفاقيات، إما ثنائية مع سوريا وتركيا كل على حدة، أو ثلاثية مع كليهما للحصول على حصة عادلة. نحن لا نطالب بكل كميات نهري دجلة والفرات لكننا نطالب بحصة عادلة وكافية لوضع العراق، فنحن نحتاج إلى كميات مياه أكثر من السابق نتيجة زيادة الاستعمال البشري وزيادة عدد السكان، ولأغراض أخرى كالمصانع والمستشفيات، لكن كميات المياه الآن أقل بكثير مما كانت عليه في السابق وهذه هي المشكلة، لدينا اتفاقية مع سوريا تنص على تقسيم نسبة مياه نهر الفرات بين البلدين بنسبة 42% لسورية و58% للعراق.
أما التمعن في تفسيرالسفير الأميركي كريستوفر هيل وتصريحاته ل «الشرق الأوسط» فأنها تبدو وكأنها صادرة من أستاذ يُبين لطلابة بأنه " توجد مواثيق وقرارات ولوائح ونصائح دولية على أساس أن المياه يجب أن تكون لخدمة شعوب المنطقة ويجب مراعاة كيفية استعمال المياه من ناحية الخطة التشغيلية، كذلك مراعاة عدم تلوث المياه، لكننا لدينا مشكلة في بعض المناطق، فعلى سبيل المثال في سوريا يعيدون مياه المبازل إلى نهر الفرات، وعادة تكون مياه المبازل ملوثة بالملوحة والأسمدة. وموضوع تقاسم المياه متروكة للاتفاقيات بين الدول، فمعظم الاتفاقيات الدولية غير إلزامية ولكنها نصائح، ويتركون حلول التقاسم بين الدول المتشاطئة ".
في ظل دولة الفساد والعقم السياسي الحالي نجد أجوبة سريعة تقدمها الكتل العراقية المختلفة حسب ولائاتها وأنتماءاتها ووظائفها وهي في معظمها تُقدم صيغ شكلية يجري تمريرها على السذج من الناس وأشارات أيضاحية لتصورات عامة دون رؤية ما تسببه سلوكياتهم الفردية من عقم على أرض الرافدين، ونجد ممثل دبلوماسي أمريكي لايهمه غير تمثيل بلاده، يقدم مقترحات لا قيمة لها تتعلق بتركيا وأيران أو سوريا. ومشكلة ساسة العراق أنهم لايعرفون مايجري في داخل هذه الدول من مشاكل داخلية معيشية وضغوط خارجية تتعرض لها من جانب :
1. القوى القومية والدينية المؤثرة في تركيا، أيران، الكويت، السعودية، الأردن، وسوريا.
2. الأحزاب، سلطة الأعلام، والسلطات البرلمانية.
3. القوى العسكرية ومؤسساتها والعشائر المتنفذة
4. قوى التأثير الخارجي والأرتباطات الدولية (الأسرائيلية منها) والعقود التي لها علاقة على ما تحصل عليه هذه الدول من أموال ومساعدات ودعم، بأرتباطها بمواثيق وبروتوكولات دفاع مشترك وتسهيلات قواعد جوية وتدريب ضباط في معاهد ومؤسسات عسكرية في دول غربية. بالأضافة الى علاقات دعم مشترك لأتفاقيات ومعاهدات سياسية ملزمة مع أسرائيل والولايات المتحدة.
قادة الكتل السياسية العراقية أصبحوا كموظفي الجامعة العربية (يتباهون ويتغاضون ويتجاهلون عمداً وربما عن قناعة ) عن جوهر الحاجات القومية العربية وأسس الحاجة اليومية لمواطنهم، ولكنهم يتحدثون عنها على الدوام ويعلسون الكلام لأطفاء النقمة الشعبية وأضفاء المشروعية لرواتبهم التي لايستحقونها.
الدراسات والبحوث الأكاديمية والأعلامية العديدة التي تمت بتجرد ومسؤولية في مؤسسات مستقلة أخذت حيزاً واسعاً عن أخفاق العراق في التعامل مع دول عربية وأسلامية مجاورة للعراق بعقلية متحررة تأخذ في الأعتبار مصلحة العراق أولاً وتتفهم الأوضاع الداخلية في هذه الدول التي كانت ومازالت مصدر قلق ومأسي وكوارث سابقة ومستقبلية ماثلة للعيان للقوى العربية والكردية العراقية، وهم بأنتظار ردود الفعل الشعبية وزخمها للتحرك وأحتوائها بطرقهم الخاصة بعد وقوع الكارثة........هذا هوبعض ماألت اليه الحالة العراقية مع دول الجوار.
فمشكلة العراق مع الدول الجارة تركيا تتجاوز في مخاطرها حصص العراق من مياه الأنهار الى نوايا تركيا القيام بحملات ضد المتسللين الاكراد الى أراضيها عبر الحدود التي تمتد 350 كلم بين البلدين. فبين الحين والحين يعلن رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان ان تركيا تنوي نشر وحدات خاصة" وحدات محترفة لضمان الامن في المناطق الحدودية الخطيرة" مع العراق لوقف تسلل المتمردين الاكراد الى اراضيها انطلاقا من شمال العراق.
اخفاقات عراقية وحكمة غير مفهومة يُكررها قادة عراقيون في دول جوار تتربص به وتتابع كبواته وتعثره بأزدراء.
باحث سياسي وأستاذ جامعي سابق